الحكم الشرعي في تعاملات الرافعة المالية (1-2) Leverage

الحكم الشرعي في تعاملات الرافعة المالية (1-2) Leverage

التصنيف: مقالات شرعية
الاثنين، 24 جمادى الأولى 1446 هـ - 25 نوفمبر 2024
760

مقدمة وتعريف:
هذه التعاملات منتشرة في منصات التداول الإلكتروني التقليدية، كما هي متاحة اليوم في العديد من شركات الوساطة الإسلامية خاصة في المملكة. ويقصد بالرافعة المالية أن يوفر الوسيط للمتعامل قوة شرائية بنسبة من محفظة المتعامل أو حسابه الاستثماري. فإذا كان المتعامل يملك 100000 دولار في محفظته فإنه قد يتاح له التعامل بمبلغ 150000 دولار، أي بزيادة 50000 دولار. فلو فرض أنه تعامل بكل المتاح أي 150000 دولار وانخفضت قيمة المحفظة إلى 100000 دولار التي يملكها في الأصل أي خسر كل ماله، فإن الشركة التي منحته الرافعة تقوم بتسييل بقية الأسهم الموجودة في محفظته لتسترد المبلغ الذي منحته إياه.

ما التكييف الشرعي لهذه العملية؟
أطلقت القرارات الشرعية الصادرة في الرافعة المالية القرض على المبلغ الزائد، وقد ينازع البعض خاصة من الفنيين في تسمية هذا الزائد قرضاً، وذلك لأن المتعامل لم يتسلمه، ويرون بأنه مجرد توفير القدرة على الشراء بأكثر مما لديه من سيولة، وهذا جدل وإن كان له ما يسوغه غير أن الوسيط في النهاية هو الذي دفع ثمن الصفقات التي تزيد عن مبلغ 100000 دولار، وبالتالي يكون الوسيط مقرضاً للمتعامل في حدود ما دفعه عنه.
ومن ثم يمكن تكييفه بأنه قرض بشرط التعامل مع الوسيط، أي الشراء من خلال الوسيط. ويوصَّف شرعاً بأنه من قبيل الجمع بين سلف وبيع بالشرط وهو منهي عنه للحديث "لا يحل سلف وبيع". وقد يترتب على ذلك عمولتان:
الأولى: عمولة على القرض، وقد تكون هذه العمولة، غير فاعلة إلا عند عدم إغلاق المعاملة في اليوم نفسه وهي المسماة برسوم التبييت. أما إذا تم الإغلاق في اليوم نفسه فلا تطبق العمولة، والعقد ينص على هذه العمولة ضمن شروطه.
الثانية: عمولة الوساطة في الصفقة، وهذه مقابل عمل، وقد تطبق العمولة المعتادة كما لو لم توجد الرافعة، أو قد يُراعى فيها الرافعة فيزاد في العمولة في حال استخدم المتعامل مبلغ الرافعة في الصفقات.

الحكم الشرعي:
يشمل الحكم الشرعي، حكم الدخول في عقد الرافعة مع العمولة، وحكم عقد الرافعة بشرط التعامل مع الوسيط:

أولاً: حكم الدخول في عقد الرافعة مع العمولة:
العمولة على مبلغ الرافعة ربا، ولكن السؤال ماذا لو لم تتضمن الرافعة عمولة ليوم واحد، وتجنب المتعامل التبييت، أي تجنب تطبيق العمولة على الرافعة؟ الجواب أن العقد فاسد لتضمنه شرطاً حراماً وهو العمولة أو الفائدة في حال التبييت، ولا يجوز الإقدام على العقد الفاسد، أو الباطل. ولا يوجد حاجة مقبولة شرعاً تسوغ الدخول في هذا العقد على أساس تجنب العمولة.

ثانياً: حكم عقد الرافعة بشرط التعامل مع الوسيط:
قد يقال أن العنوان خطأ، والصحيح أن نقول حكم عقد الرافعة الذي ينص على أن الوسيط سوف يدفع الثمن في حال اشترى المتعامل بأكثر من السيولة المتاحة لديه؟ الجوب لا بأس؛ في النتيجة أصبح الوسيط مقرضاً كما قلنا، فما حكم هذا القرض الذي شرط فيه أن يتم إجراء الصفقات من خلال الوسيط نفسه؟
الجواب: في الصورة شبهة انتفاع الوسيط بالإقراض للمتعامل، والانتفاع هو سبب النهي عن سلف وبيع السابق ذكره، وللتوضيح نقول بأن النهي عن سلف وبيع معلل أو مسبب وليس تعبدياً، وقد قال الفقهاء في تعليل المنع: حتى لا تتخذ المعاملة المصاحبة للقرض (وهي هنا الوساطة في الصفقات) وسيلة لتحصيل عائد على القرض بزيادة عمولة الوساطة عن المعتاد. وقد أجمعت الأمة على أن كل قرض جر نفعاً فهو رباً والزيادة هنا هي من النفع.
والنظر الشرعي المعاصر في حكم الرافعة مع عمولة الوساطة على رأيين سأضعهما في أول تعليق.
والنظر الشرعي المعاصر في حكم الرافعة مع عمولة الوساطة على رأيين:
الرأي الأول: لا مانع أن تكون العمولة بسعر المثل. وأن هذا كافٍ لتجنب شبهة الانتفاع من القرض.
الرأي الثاني: يجب أن تكون العمولة بالتكلفة الفعلية، لتجنب شبهة الانتفاع من القرض، وذلك لأن الوسيط المقرض لم يكن ليحصل على هذه العمولة لو لم يمنح الرافعة/القرض.

هل تقدم الشركات الإسلامية بديلاً إسلامياً؟

المتاح في بعض شركات الوساطة الإسلامية في السعودية بديلان شرعيان:
الأول: القرض الحسن خال من شرط العمولة، ولكن بشرط إنهاء المعاملات في نهاية اليوم. وبالتالي أصبح الدخول في القرض خال من المحذور. ولكن بقي المحذور في عمولة الوساطة وهي على القولين المذكورين آنفاً.
الثاني: تمويل المتعامل بأسهم أو سلع بالمرابحة ويتم إيداعها في حساب المتعامل أو محفظته، ويكون للعميل حرية التعامل بهذه الأسهم او السلع، غير أن كامل محفظة المتعامل مرهونة، بحيث لو انخفض رصيد المحفظة ولم يتبق سوى ما يقابل الدين، فإن الوسيط سوف يقوم بتسييل المحفظة ليستوفي دينه. والتسييل لغرض استيفاء الدين لا إشكال فيه في كل الأحوال. غير أن حكم عمولة الوساطة مع وجود الدين الحكم فيها على قولين أيضاً كما مر لوجود الدين وهو كالقرض، فكما لا يجوز الانتفاع من القرض، فإنه لا يجوز الانتفاع من الدين بعد ثبوته في الذمة.


بقي سؤال أخير؛ هل من بديل خال من الشبهات أو متفق على جوازه؟ الجواب: في منشور مستقل قادم. ولأهمية هذا الموضوع وكثرة الأسئلة حوله سوف أكتب رأياً بخصوص ضوابط التعاملات ذاتها التي تتم على منصات الفوركس بإذن الله تعالى.


عبد الباري محمد علي مشعل

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

تعريف بموسوعة مَعْلَمة القواعد الفقهية
الخميس، 16 صفر 1443 هـ - 23 سبتمبر 2021تعريف بموسوعة مَعْلَمة القواعد الفقهية
إعداد: د. إبراهيم محمد الحريري الخبير بمعلَمَة القواعد الفقهية (مجمع الفقه الإسلامي بجدة)...
الأخذ بالرخصة
الخميس، 16 صفر 1443 هـ - 23 سبتمبر 2021الأخذ بالرخصة
            كتبه: طه محمد فارس   الرخصة في اللغة: اليس...
(لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) قاعدة فقهية أم بدعة محدثة
الخميس، 16 صفر 1443 هـ - 23 سبتمبر 2021(لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) قاعدة فقهية أم بدعة محدثة
  التأصيل الشرعي: إنَّ مقولةَ ( لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) ليست مِن القواعد الفقهية، أو ال...