جذور التكفير وأسباب الخلاف فيه

جذور التكفير وأسباب الخلاف فيه

التصنيف: مقالات شرعية
الجمعة، 5 شعبان 1447 هـ - 23 جانفي 2026
27

قضية التكفير قضية قديمة حديثة، كثر الكلام حولها وما يزال، وكثرت الكتابات في تجلية أسبابها ونتائجها، ونظرًا لكون هذه القضية من أكثر ما أشغل المسلمين عبر تاريخهم الطويل وإلى يوم الناس هذا، وتسبب الانحراف والخطأ في فهمها بنتائج كارثية على المجتمعات المسلمة عمومًا كان أعظمها قديمًا: تكفير عدد من أصحاب رسول صلى الله عليه وسلم، واستباحة الدماء حديثًا، وناهيك بهما كارثان عظيمتان؛ ولذا فقد آثرنا الكتابة في هذه القضية بأسلوب مختصر، يوقف القارئ على أهم ما ينبغي فهمه عن هذه القضية، وقد خصصت هذه المقالة للحديث عن الجذور التاريخية للتكفير وأسبابه، وبيان ذلك فيما يأتي:


الإيمان هو الأصل الذي جاءت نصوص الكتاب والسنة لتقريره وبيانه، فذكرت نواقضه وما يقدح في كماله، بيَّن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم خير بيان، وأخذه عنه أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، ولم يختلفوا في شيء من ذلك البتة، ثم كان أول نزاع حدث في الأمة حول الإيمان والكفر ما وقع من تكفير الخوارج عليَ بن أبي طالب رضي الله عنه بسبب قضية التحكيم يوم صفين، ومنذ ذلك الوقت وقع الخلاف في الأمة حول قضية الإيمان والكفر، وما يزال إلى يوم الناس هذا، وتبع ذلك الخلاف في قضية التكفير.


عمد الخوارج إلى تكفير علي بن أبي طالب وغيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم باعتبارهم مذنبين، قد رضوا بحكم غير الله تعالى، وهي -عندهم- كبيرة من الكبائر يكفر بارتكابها المسلم، وبعيدًا عن مناقشة موقفهم من علي رضي الله عنه ورده عليهم، ورجوع بعضهم إلى الحق؛ إلا أن منهجهم هذا في التكفير قد شكل مع الأيام مدرسة لها أصولها ومنطلقاتها وأقسامها، وكان أخطر تلك المنطلقات الخطأ في تفسيرهم للإيمان الذي أوقعهم في تكفير عموم المسلمين.


نظر الخوارج إلى الأعمال على أنها من الإيمان، وأن الإيمان حقيقة واحدة أو كتلة واحدة لا تتجزأ، تنتفي كلها بانتفاء أجزائها، وأن الإنسان إما أن يكون مسلمًا وإما أن يكون كافرًا، وإذا ما وقع المسلم في كبيرة من الكبائر فقد أتى عمله على الإيمان كله، وإذا لم يبق في القلب إيمان حلَّ مكانه الكفر، وذلك بناء على عدم تفريقهم بين أحكام الظاهر وأحكام الباطن، وعدم تفريقهم بين حقيقة الإيمان، وثبوت وصف الإسلام للمعين، بل إنهم جعلوا الإيمان والإسلام كلمتين مترادفتين.


فكانت فلسفتهم في الحكم بالتكفير أنه لا يتصور أن يكون الإنسان إلا مؤمنًا أو كافرًا، وعليه لا يتصور إلا أن يكون مسلمًا أو كافرًا، وأن وصف الإنسان بالإسلام إما أن يكون موجودًا أو منفيًا، وكذا وصف الإيمان إما أن يكون موجودًا فيه أو منفيًا عنه، ولـما كانت الأعمال من الإيمان، وأن الإيمان حقيقة واحدة لا تتجزأ أي لا تزيد ولا تنقص؛ رتبوا على ذلك أن مرتكب الكبيرة كافر؛ لأنه لا يجتمع في الإنسان إيمان ومعصية في آن واحد.


كان الخطأُ والانحرافُ في فهم معنى الإيمان السببَ الأول والأساس الذي انطلقت منه أفكار التكفير وتوابعه، ولم يكن السبب هو الخلاف حول تحقق شروط التكفير وموانعه في الشخص كما يظن البعض.


وفي المقابل لموقف الخوارج من الإيمان قامت فرقة أخرى وقفت على النقيض منه، وقابلت ذلك الغلو بغلو آخر، ولم يكن الخلاف بينهم في أن الإيمان يتجزأ أو لا، أو يزيد وينقص، بل لقد نظروا للإيمان كما نظرت إليه الخوارج وأنه حقيقة واحدة لا تتجزأ، ولكن الخلاف بينهم وقع في الأعمال هل هي من الإيمان أم لا فقالوا: إذا كان الإسلام قد ثبت للمسلم بالإقرار؛ فذلك يعني أن الأعمال لا علاقة لها بالإيمان، لأنها ليست شرطًا في ثبوت وصف الإسلام عليه ابتداءً، بل هو يدخل الإسلام بإقراره بالشهادتين فقط، ورتبوا على ذلك أن الأعمال أيضًا ليست شرطًا في بقاء وصف الإسلام بعد ثبوته ابتداءً، وهذا يؤكد أن منبع الغلو والانحراف الذي وقع فيه هؤلاء إنما كان من خطئهم في فهم معنى الإيمان وحقيقته أيضًا.


على أن الخوارج قديمًا قد اختلفوا في القول بكفر المسلمين بالمطلق، فمنهم من علقه على كفر الحاكم فإن كفر كفرت الرعية، وغير ذلك من أقوالهم، أما أتباعهم في عصرنا الحاضر فقد قالوا بالكفر المطلق، بل لقد سحبوا الكفر على عصور التاريخ الإسلامي منذ القرن الرابع، وقالوا عن جماعتهم هي الجماعة الوحيد المسلمة في العالم كله.


وكذا المرجئة لم يتوقف قولهم على أن الأعمال غير داخلة في الإيمان، وأنه لا يزيد ولا ينقص؛ بل صار الإيمان عندهم مجرد التصديق، ولا يشترط فيه الإقرار باللسان بل يكفي الاعتقاد الداخلي، ورتبوا عليه أمورًا كثيرة من أعظمها: أن من ترك العمل بالكلية لا يكفر إذا كان قد أقر ونطق الشهادتين مرة في حياته، وهذا يعني أن التشريع والتقنين والإلزام بما يضاد حكم الله تعالى ليس كفرًا أكبر مخرجًا من الملة؛ إلا إذا أظهر الشخص بلسانه أنه مستحل لذلك، جاحد حكم الله تعالى، وغير ذلك مما رتب على هذا القول من الأعمال التي لم يتردد سلفنا في الحكم فيها بالكفر.


ولذا كان العلاج الأول لقضية التكفير هو ببيان معنى الإيمان والتوحيد وحقيقته كما أخذه سلف الأمة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والفرق بينه وبين الإسلام، وهذا ما سنتناوله بالبيان في المقالة الآتية إن شاء الله تعالى.


بقلم: عبد المعين الطلفاح

المصدر: موقع الشبكة الإسلامية

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

تعريف بموسوعة مَعْلَمة القواعد الفقهية
الخميس، 16 صفر 1443 هـ - 23 سبتمبر 2021تعريف بموسوعة مَعْلَمة القواعد الفقهية
إعداد: د. إبراهيم محمد الحريري الخبير بمعلَمَة القواعد الفقهية (مجمع الفقه الإسلامي بجدة)...
الأخذ بالرخصة
الخميس، 16 صفر 1443 هـ - 23 سبتمبر 2021الأخذ بالرخصة
            كتبه: طه محمد فارس   الرخصة في اللغة: اليس...
(لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) قاعدة فقهية أم بدعة محدثة
الخميس، 16 صفر 1443 هـ - 23 سبتمبر 2021(لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) قاعدة فقهية أم بدعة محدثة
  التأصيل الشرعي: إنَّ مقولةَ ( لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) ليست مِن القواعد الفقهية، أو ال...