سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((9))  سورة البقرة

سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((9)) سورة البقرة

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، 27 رجب 1447 هـ - 16 جانفي 2026
32

سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((9))

سورة البقرة (7)


تكلمنا عن أبرز موضوعات الأحكام الشرعية في هذه السورة، ونكمل هذا الموضوع فيما يأتي من أحكام: حرمة الخمر _أم الخبائث(1)_ والميسر، ونورد الكلام فيه حسب تدرج الآيات الأربع التي نزلت في تحريمه.

15. الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: 67]، فهذه أول آية في حكم الخمر، وقد أنزلت في مكة، فكانوا يشربونها في أول الإسلام وهي لهم حلالٌ.

16. الآية الثانية: قوله عزوجل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219]، فبين سبحانه أن نفع الخمر والميسر يخالطه ذنب كبيرٌ. وهذه ثاني آية نزلت في الخمر، ونوجز الكلام عنها فيما يأتي:


أ_ هذه الآية نزلت في المدينة، حيث بين الله تعالى أن في الخمر والميسر ﴿إثماً كبيراً﴾ _على رواية جماعة القراء_، وفي رواية حمزة والكسائي: {إثمٌ كثيرٌ}. فظهر بذلك أن الذنب في تعاطي الخمر والميسر هو أكبر وأكثر مما يأتي فيها من النفع، وهو واضح في قوله تعالى: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219] ولذلك تركها قومٌ وبقي عليها آخرون، وقد جاء عند العرب أنّ الإثم يطلق على الخمر، قال الشاعر:

شَرِبْتُ ‌الإثْم حتّى ضَلّ عَقْلِي *** كَذَاك الإثْمُ تَذْهب بالعُقُولِ(2)


ب_ أما المنافع فيهما: فربح التجارة في الخمر، حيث كانوا يجلبونها من الشام برخص ويبيعونها في الحجاز بسعر غالٍ، وهذا أصح ما قيل في منفعتها(3). وكذلك في الميسر حيث كانوا يربحون من اللعب في هذا القمار.


ت_ إن القوم الذين تركوهما لجسيم مضارّهما استفادوا من فعلهم أكثر، أما الذين استداموا عليهما فتضرّروا كثيراً، لأن الخمر _عند السكر_ تذهب بالعقول حتى يصبح الشارب لها كالمجنون أحياناً، وأذاها مادي ومعنوي(4).
وأما الميسر فإنه وكان فيه بعض الربح من وجهٍ؛ إلا أن الطرف الآخر يقامر على خسائر فادحة، وصلت عند بعضهم في أحد البلدان إلى أن فقد ماله، ثم اضطر لبيع بيته وأخيراً تنازل عن زوجته للطرف المقامر الرابح، كما حدث في الهند وغيرها!

17. الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: 43]، وقيل في سبب نزولها أن جماعة من الصحابة أكلوا وشربوا _حين كانت ‌الخمر ‌مباحة_ فلما ثملوا جاء وقت صلاة المغرب، فقدموا أحدهم ليصلي بهم، فقرأ: "أعبد ما تعبدون، بدل (لا أعبد)"، _والعياذ بالله_ فنزلت هذه الآية، فكانوا لا يشربونها في أوقات الصلوات(5).

18. الرابعة _الآية الأخيرة في تحريمه_ وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91)﴾ [المائدة: 90-91]. ونوجز الكلام عنها فيما يأتي:


أ_ حدث بسبب سُكْرِهِمْ أن رجلاً من الأنصار تشاجر مع سعد بن أبي وقاص، فأخذ لحي بعير فضرب به رأس سعد فشجّه، فانطلق سعدٌ إلى رسول الله وشكا إليه، فأنزل الله تعالى الآية الأخيرة في تحريمه، فقال عمر رضي الله عنه: "اِنتهينا ربنا اِنتهينا"(6).


ب_ لا ريب أن هناك حكمة عظيمة في ترتيب تحريم الخمر، حيث إنهم كانوا قد أَلِفُوها، فجاء تحريمها على أربع مراحل بالتدرج، حتى قالت عائشة رضي الله عنها: (لو نزل أول ما نزل "لا تشربوا الخمر" لقالوا: لا ندع الخمرة أبداً). فلنتأمل عظمة الإسلام(7).


ت_ ألزمهم الله تعالى بإلزامٍ قائم إلى نهاية الدنيا وحرّمها تحريماً قاطعاً بالحصر والتأكيد على ذلك فقال سبحانه: ﴿إنما الخمر والميسر...﴾، وختمها بقوله: ﴿فَهَلۡ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾. ولكن زعم أناسٌ أنها غير محرمة، وأن الله ذكر الاجتناب ولم يذكر التحريم لفظاً، فجاء الردُّ على ذلك عند جمهور المفسرين الذين قالوا: لم يذكر التحريم بشدة مثلما ذكر في تحريم الخمر حيث وصفه سبحانه بالرجس، إذ قال في آية أخرى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: 30]

قال الفراء: قوله: ﴿فَٱجۡتَنِبُوهُ﴾ دالٌّ بقوة على التحريم، وقوله: ﴿فَهَلۡ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: 91] تأكيد لذلك، كقولك: هل أنت منتهٍ هل أنت منتهٍ؟ أي: اِنْتَه اِنْتَه.

والدليل أيضاً على التحريم أنّه تعالى قرنها بالميسر والأنصاب والأزلام ووصفها بالرجس، وأمر بالاجتناب عنها، ووعد بالفلاح على ذلك، وأخبر أنها تُحدث العداوة والبغضاء، وتصدّ عن الصلاة، وتزيل العقل، والدليل النقلي العملي على حُرمتها أنها لما نزلت آية سورة المائدة هذه، قال الصحابة الذين يشربونها: "انتهينا يا ربنا انتهينا"، كما أوردنا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ فأراقوها في سكك المدينة(8).

ملاحظة: نكمل الحديث عن حكم الخمر والميسر في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.



هوامش:
(1) عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال: " ‌اجْتَنِبُوا ‌الْخَمْرَ ‌فَإِنَّهَا ‌أُمُّ ‌الْخَبَائِثِ، إِنَّهُ كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ خَلَا قَبْلَكُمْ يَتَعَبَّدُ فَعَلِقَتْهُ امْرَأَةٌ غَوِيَّةٌ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ جَارِيَتَهَا فَقَالَتْ لَهُ: أَنَا أَدْعُوكَ لِلشَّهَادَةِ فَانْطَلَقَ مَعَ جَارِيَتِهَا، فَطَفِقَتْ كُلَّمَا دَخَلَ بَابًا أَغْلَقَتْهُ دُونَهُ حَتَّى أَفْضَى إِلَى امْرَأَةٍ وَضِيئَةٍ عِنْدَهَا غُلَامٌ وَبَاطِيَةُ خَمْرٍ، فَقَالَتْ: إِنِّي وَاللهِ مَا دَعْوَتُكَ لِلشَّهَادَةِ، وَلَكِنْ دَعْوَتُكَ لِتَقَعَ عَلَيَّ أَوْ تَشْرَبَ مِنْ هَذِهِ الْخَمْرِ كَأْسًا أَوْ تَقْتُلَ هَذَا الْغُلَامَ، قَالَ: فَاسْقِينِي مِنْ هَذَا الْخَمْرِ كَأْسًا، فَسَقَتْهُ كَأْسًا، فَقَالَ: زِيدُونِي فَلَمْ يَرِمْ حَتَّى وَقَعَ عَلَيْهَا وَقَتَلَ النَّفْسَ، فَاجْتَنِبُوا الْخَمْرَ؛ فَإِنَّهَا وَاللهِ لَا يَجْتَمِعُ الْإِيمَانُ وَإِدْمَانُ الْخَمْرِ إِلَّا أَوْشَكَ أَنْ يُخْرِجَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ". رواه النسائي في سننه، رقم: (5666) بإسناد صحيح.
(2) ينظر: لسان العرب: 12/6.
(3) ينظر: تفسير القرطبي: 3/57.
(4) ينظر: زاد المسير لابن الجوزي: 1/184، التفسير المنير: 1/646.
(5) ينظر: تفسير الرازي: 10/85.
(6) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره: 4/200، رقم: (6767)، (6769). والبيهقي في شعب الإيمان: (17400).
(7) الأثر رواه البخاري: (4993)، ينظر: روائع البيان تفسير آيات الأحكام للصابوني: 1/172-174.
(8) ينظر: تفسير الرازي: 6/40، وتفسير القرطبي: 6/203، والتعليق على تبيين المحارم للأماسي: 2/203، وحاشية ابن عابدين: 5/289.


بقلم: د. خالد حسن هنداوي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، 6 شعبان 1440 هـ - 11 أفريل 2019مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، 5 شعبان 1440 هـ - 10 أفريل 2019مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، 3 شعبان 1440 هـ - 8 أفريل 2019مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...