عودة عوائل الأيتام إلى ربوع بلادهم.. ضرورة وحل

عودة عوائل الأيتام إلى ربوع بلادهم.. ضرورة وحل

بعد سنوات من النزوح واللجوء، تبرز قضية عودة عوائل الأيتام والمحتاجين كأولوية إنسانية ووطنية، هؤلاء ليسوا مجرد أرقام في إحصائيات اللجوء، بل هم جزء من روح سوريا وذاكرتها ومستقبلها.

إن عودتهم إلى ديارهم لا تمثل فقط نهاية لمعاناتهم في بلاد الشتات، بل هي الخطوة الأكثر أهمية نحو إعادة بناء النسيج الاجتماعي الذي مزقته الحرب، وبث الحياة من جديد في القرى والمدن التي هجرها أهلها.

إن عودة طفل يتيم إلى حارته، أو الأرملة إلى بيتها، هي أكثر من مجرد عودة جسدية؛ إنها عودة للهوية والانتماء، وفرصة لترميم جراح الماضي وبناء مستقبل قائم على الكرامة والاستقرار.

فأي نجاح دون احتضان الامة لأبنائها الأكثر ضعفاً، لا يعد نجاحاً، وأي مستقبل نحلم به إن لم يكن أركانه الأولى هي لم شمل هذه الأسر المنكوبة على تراب وطنها؟ ليس بمستقبل، من هنا، فإن تسهيل عودتهم وتهيئة الظروف الكريمة لاستقبالهم ليس مجرد عمل خيري، بل هو حجر الزاوية في مشروع إعادة إعمار سوريا.

.

المشاكل والاشكالات التي تواجه عوائل الايتام في دول الجوار:

1- ضياع الهوية حيث ينشأ الطفل اليتيم بعيداً عن أرضه وعائلته.

2- ان فقدان الأب أو المعيل في ظروف الحرب واللجوء يكسر بنية الأسرة، وتلقي بأعباء الحياة على الأرملة وحدها في بيئة غريبة، مما يفقد الأيتام الإحساس بالأمان الذي كانون يحسونه في وطنهم.

3- نتيجة النزوح والحرب يعاني الأيتام من صدمات مركّبة كصدمة فقدان الأب، وصدمة الحرب والدمار، وصدمة اللجوء والنزوح.

4- النظرة الدونية اللاجئين أو انهم عبء على المجتمع المضيف، مما يزيد من عزلتهم ويؤثر على صحتهم النفسية وقدرتهم على الاندماج.

5- غياب المعيل، تسقط هذه الأسر في فقر شديد، مما يجبرهم على العيش في ظروف سكنية مزرية وغير صحية، مع معاناة مستمرة لتأمين الطعام والماء النظيف.

6- التسرب من التعليم وعمالة الأطفال في سن مبكرة، ويعمل الغالب منهم في مهن خطرة وبأجور زهيدة، مما يعرضهم للإصابات والاستغلال ويسرق منهم طفولتهم ومستقبلهم.

7- حرمانهم من حقهم الأساسي في الجنسية وجعلهم بلا هوية قانونية.

8- نتيجة الحرب والنزوح فقد الكثير منهم الثبوتيات، مما يجعل الأسرة في مهب الريح. فلا يمكنها إثبات حالتها الاجتماعية، أو تسجيل الأطفال في المدارس، أو حتى التحرك بحرية خوفاً من المساءلة القانونية.

9- نتيجة الحرب والنزوح ولد الكثير منهم في مخيمات أو مدن اللجوء ونتيجة الضغط الاجتماعي والنفسي وصعوبة التسجيل تؤدي إلى عدد من الأطفال غير المسجلين (مكتومي القيد).

10- الزواج المبكر للفتيات، فقد ترى الأم الأرملة في تزويج ابنتها القاصر مخرجاً لتخفيف العبء المادي أو لحمايتها.

11- العيش في مساكن مكتظة وغير آمنة، والحاجة الماسة للمال، تجعل الأطفال والنساء أكثر عرضة للتحرش والاستغلال من قبل أصحاب العمل أو شخصيات نافذة.

12- يمكن استدراج المراهقين الأيتام المحبطين والفقراء بسهولة من قبل جماعات إجرامية أو متطرفة توفر لهم المال وشعوراً زائفاً بالانتماء والقوة.

13- تواجه هذه الأسر صعوبة بالغة في الوصول إلى الخدمات الصحية بسبب تكلفتها، أو غياب الأوراق الثبوتية، وهذا يؤدي إلى تفاقم الأمراض وسوء التغذية لدى الأطفال.

.

أهمية إعادة الايتام وامهاتهم ومن في حكمهم الى ربوع الوطن:

1- إعادة بناء الروابط الأسرية والمجتمعية التي تفككت بسبب الحرب والنزوح، مما يعزز التماسك الاجتماعي.

2- الحفاظ على هوية وانتماء الأطفال الأيتام لوطنهم وبيئتهم الطبيعية، بتعلم ثقافتهم وتاريخهم، مما يحميهم من فقدان الهوية والشعور بالغربة.

3- العيش في الوطن بين الأهل والأقارب يوفر استقرار نفسي واجتماعي كبير، ويساعد في التخفيف من صدمات الحرب واللجوء.

4- عودة الأبناء للالتحاق بركب التعليم في وطنهم.

5- عودة هؤلاء الأبناء لسوريا لبنة أساسية في إعادة الإعمار، والبلد بحاجة إلى سواعد أبنائها لإعادة بناء ما دمرته الحرب. وعودة هذه العائلات، حتى المحتاجة منها، هي جزء من عودة الحياة إلى طبيعتها وتشكل نواة للمجتمعات المحلية.

6- عودة اللاجئين تساهم في الحفاظ على التوازن للبلاد وتمنع التغييرات طويلة الأمد التي قد تنجم عن الهجرة الجماعية.

7- تخفيف الضغط على دول الجوار وتخفيف الأعباء الاقتصادية والاجتماعية .

.

التسهيلات المقترحة لتشجيع عودة عوائل الايتام:

1- إنشاء لجنة من محاميين لتسوية الأوضاع المدنية (شهادات ميلاد، زواج، وفاة) وإصدار الوثائق الرسمية المفقودة (هويات، جوازات سفر) مجاناً أو بتكاليف رمزية.

2- إيجاد آلية قانونية سريعة وفعالة لإثبات الملكية العقارية واستعادة الممتلكات التي فقدوها أو تم الاستيلاء عليها.

3- تقديم منحة مالية صغيرة لكل عائلة عائدة لتغطية تكاليف النقل الأولي وتلبية الاحتياجات الأساسية فور الوصول.

4- توفير مراكز إيواء مؤقتة لائقة وصحية.

5- إطلاق برامج لترميم المنازل المتضررة جزئياً، أو بناء وحدات سكنية منخفضة التكلفة، مع إعطاء الأولوية لعوائل الأيتام.

6- توفير سلال غذائية وصحية منتظمة لمدة لا تقل عن 6 أشهر إلى سنة لمساعدة الأسر على الاستقرار.

6- تقديم قروض صغيرة بدون فوائد أو منح للأرامل والشباب لبدء مشاريعهم الخاصة (خياطة، تربية مواشي، محلات صغيرة).

7- ضمان تسجيل جميع الأطفال العائدين في المدارس فوراً، بغض النظر عن انقطاعهم الدراسي.

8- توفير برامج دعم نفسي وتعليمي مكثف (فصول تقوية) لمساعدتهم على اللحاق بأقرانهم.

9- توفير رعاية صحية مجانية وشاملة لعوائل الأيتام والمحتاجين، بما في ذلك الصحة النفسية وعلاج الصدمات.

.

واجبات الحكومة السورية:


1- يجب أن تكون هناك رغبة حقيقية من الحكومة لتسهيل العودة واعتبارها أولوية وطنية.

2- إصدار القوانين والمراسيم اللازمة التي تضمن سلامة وحقوق العائدين.

3- إزالة العوائق البيروقراطية أمام المنظمات الإنسانية المحلية والدولية، والسماح لها بالوصول إلى جميع المناطق وتقديم المساعدات بحرية وشفافية.

4- تخصيص جزء من ميزانية الدولة لدعم برامج العودة وإعادة الإعمار في المناطق الأكثر تضرراً.

5- إنشاء صناديق متخصصة لدعم عودة الأيتام والمحتاجين.

.

واجبات المنظمات (المحلية والدولية):

1- إجراء مسوحات ميدانية لتحديد الاحتياجات الفعلية للعائدين وتصميم البرامج بناءً عليها.

2- التركيز على المشاريع التي توفر حلولاً طويلة الأمد (مثل المشاريع المدرة للدخل) بدلاً من المساعدات الطارئة فقط.

3- تنفيذ برامج متخصصة للأطفال الأيتام والأرامل لمساعدتهم على تجاوز الصدمات النفسية والاندماج في المجتمع.

4- مراقبة أوضاع العائدين ورفع تقارير دورية لضمان حمايتهم وحصولهم على حقوقهم، ونشر تقارير واضحة عن كيفية إنفاق الأموال.

.

واجبات المقتدرين ورجال الأعمال السوريين (في الداخل والخارج):

1- إدراك أن المساهمة في هذا الملف ليست مجرد عمل خيري، بل هي واجب وطني وأخلاقي.

2- دعم برامج كفالة شهرية تغطي تكاليف معيشة وتعليم وصحة اليتيم وأسرته.

3- تخصيص رؤوس أموال لدعم المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر.

4- تبني إعادة إعمار بيوت لعوائل الايتام ومن في حكمهم ضمن تجمعات عامة او بقرب أقاربهم.

5- التعاون مع المنظمات الموثوقة لضمان وصول المساعدات لمستحقيها بكفاءة وفعالية.

6- المساهمة بالخبرات الإدارية والفنية في إدارة مشاريع إعادة الإعمار والتنمية.

.

إن إعادة عوائل الأيتام والمحتاجين ليست مجرد نقل أفراد من مكان إلى آخر، بل هي عملية إعادة بناء مجتمع بأكمله، تتطلب هذه العملية رؤية شاملة، وإرادة حقيقية، وتكاملاً للأدوار بين الحكومة والمنظمات والمجتمع، لضمان أن تكون العودة بداية لحياة جديدة ومستقرة وكريمة في وطنهم سوريا.


بقلم: د. محمد شندي الراوي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، 29 ربيع الأول 1434 هـ - 9 فيفري 2013بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، 12 شوال 1430 هـ - 30 سبتمبر 2009ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، 12 شوال 1430 هـ - 30 سبتمبر 2009تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...