من المؤسف أن تطفو على السطح في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ سوريا ظواهرُ خطابٍ عقديٍّ متشنج، تُدار فيها الخلافات العلمية بمنطق الغلبة والتشهير، لا بمنهج البحث والإنصاف، حتى تحوّلت بعض المنابر ووسائل التواصل إلى ساحات طعن وتصنيف، بدل أن تكون جسورًا للبيان والهداية.
ومن أخطر هذه الظواهر: الغلوّ في الانتصار للمذهب، أيًّا كان، وتحويله إلى معيار ولاء وبراء، بحيث يُرمى المخالف بالضلال أو النفاق أو العمالة، وتُهدر مكانة العلماء، وتُستباح أعراضهم باسم الذبّ عن العقيدة.
فقد رأينا في الأشهر الماضية نماذج من الغلوّ السلفي تمثّل في خطاب يطعن في الأشعرية جملةً، ويتجاوز ذلك إلى ذمّ كبار أئمتها، بل التعرّض لأعلامٍ مجمع على إمامتهم وعلمهم وديانتهم كالإمام النووي والحافظ ابن حجر رحمهما الله، وهو مسارٌ خطير ردّ عليه علماء سلفيون وغيرهم، وبيّنوا ما فيه من مجازفة علمية وإخلال بأدب الخلاف.
وفي المقابل، نشهد اليوم نماذج من الغلوّ الأشعري لا تقلّ خطرًا، يُدار فيها الطرح بروح استئصالية، ويُستدعى الخلاف العقدي لإسقاط مدرسة بأكملها، بل والطعن في نوايا علمائها، والتشكيك في مواقفهم، حتى بلغ الأمر ببعضهم– مؤخرًا – التجرؤ على بعض علماء الأشاعرة أنفسهم ممن شهد لهم العلماء بالعلم والفضل، ووصل الأمر في الجرأة عليهم إلى الهبوط بلغة الخلاف إلى أوصاف سوقية لا تليق بأهل العلم، وتسيء إلى قائلها قبل أن تسيء إلى من قيلت فيه.
إن هذا المسار – من الطرفين – لا يخدم علمًا، ولا يحفظ دينًا، ولا يبني وطنًا، بل يوسّع دوائر الفتنة، ويعمّق الشرخ داخل الصف السني، ويُفرغ الخلاف العلمي من ضوابطه الشرعية، ويحوّله إلى معارك تشويه وإسقاط على المنصات.
وسوريا اليوم بعد كل ما ذاقته من ويلات، أحوج ما تكون إلى جمع الكلمة، ورأب الصدع، وبناء الثقة، وحفظ مقامات العلماء، لا إلى استحضار الخلافات العقدية وإشعالها في هذا التوقيت الحرج.
إن من الخطر التساهل مع هذا الخطاب، أو التعامل معه على أنه خلاف عابر، فهذا خطأ جسيم؛ لأن الواقع في حقيقته أشبه بالجمر تحت الرماد، لا يلبث أن يتقد إذا وجد بيئة الجهل والتلقّي غير المنضبط، فيُحرّك العصبيات، ويشوّه صورة العلم، ويغذّي الاستقطاب في أوساط الجهلة من طلاب العلم والعوام. وخطره لا يظهر في أهله فقط، بل في الأثر الذي يتركه في النفوس البسيطة التي تتلقّى هذه اللغة على أنها دين ومنهج، وهي في حقيقتها انحراف عن أدب العلم ومقاصده.
والواجب على طلاب العلم والدعاة أن ينتبهوا لخطر الانزلاق في هذه الفتن، وأن يتحرّوا الحق، ويقبلوا المخالف في دائرة أهل السنة، ويتعاملوا معه بأدب الخلاف الذي قرره الأئمة، وأن يفرّقوا بين النقد العلمي المشروع، وبين الطعن والتشهير وكسر المقامات.
وإن من تمام إغلاق باب الفتنة، وحفظ حرمة العلم وأهله، الدعوة إلى الاعتذار الصريح من كل من أسيء إليه بغير حق، وردّ الأمور إلى نصابها، فإن الرجوع إلى الحق فضيلة، والاعتذار شرف، وهو أولى من المكابرة التي لا تورث إلا مزيدًا من الانقسام.
نسأل الله أن يؤلّف بين القلوب، وأن يجنب بلادنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يجعل العلم سببًا للهداية والجمع، لا للتنازع والتفريق.
بقلم: مصطفى كريدي
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


