مختصر كتاب اللياقات الست.. لمؤلفه د. أحمد البراء الأميري

مختصر كتاب اللياقات الست.. لمؤلفه د. أحمد البراء الأميري

التصنيف: ركن الشباب
الجمعة، 8 جمادى الآخرة 1447 هـ - 28 نوفمبر 2025
68

[ملحوظة: لم ألتزم في هذا الاختصار نقل النص كما ورد في الكتاب الأصل، وقد بذلت جهدي في الحفاظ على الأفكار الواردة في الكتاب دون إخلال، مع محاكاة نصاعة أسلوب المؤلف – رحمه الله - قدر الإمكان، وهذا جهد المقلّ، والله الموفِّق].


مقدمة:
ليس الإنسان جسدًا يمشي على الأرض فحسب، ولا عقلًا يضيء كالبرق ثم يخبو، بل هو كيان متكامل تتآلف فيه القوى الظاهرة والخفية، وتتعانق في داخله الروح والعقل والنفس والجسد، لتصوغ معًا إنسانيته في أبهى صورها. وإذا اختلّ توازن واحدة منها، اضطربت سائرها، كما يختلّ النغم إذا ضاعت نغمة من أوتاره.
ولقد تنبّه الإسلام منذ فجره إلى هذا التوازن الدقيق في بناء الإنسان، فجاء منهجًا شاملًا للحياة كلها؛ يزكّي الروح، ويهذّب النفس، ويقوّي الجسد، وينمّي العقل، ويهدي السلوك الاجتماعي والاقتصادي إلى سواء السبيل. ومن وحي هذا الفهم العميق جاءت فكرة اللياقات الست، لتكون طريقًا عمليًا إلى إنسان متكاملٍ في تفكيره وتعامله ومعيشته، متوازنٍ في دنياه وآخرته.
إن اللياقة – كما يصورها المؤلف الدكتور أحمد البراء الأميري – ليست حكرًا على البدن وحده، بل هي مظهر من مظاهر الانسجام الداخلي الذي ينعكس على كل جانب من جوانب الشخصية. فكما يحتاج الجسد إلى تمرينٍ وغذاءٍ صحي، يحتاج العقل إلى فكرٍ منضبط، والنفس إلى طمأنينة، والعلاقات إلى خلق، والمال إلى وعيٍ رشيد، والحياة إلى رؤيةٍ متكاملة.
وهكذا تنشأ اللياقات الست: الجسدية، والعقلية، والنفسية، والاجتماعية، والمالية، والحياتية. ستُّ دروبٍ تلتقي جميعها عند غاية واحدة: أن يرقى الإنسان بذاته حتى يكون خليفة الله في أرضه بحق، متوازنًا في عطائه، سليم القلب والفكر والسلوك.
في هذه الصفحات نمضي مع المؤلف وقفاتٍ متأنية عند كل لياقة، نستنطقها بروحٍ تأملية تفيض بالمعنى، ونتلمّس من خلالها خريطة التوازن التي بها تُبنى الشخصية الراشدة، ويُصان العمر من التبعثر، وتُستعاد إنسانية الإنسان في عالمٍ يزداد اضطرابًا يوماً بعد يوم.

اللياقة الأولى: اللياقة الروحية
إن بناء النفس المؤمنة لا يكتمل إلا إذا سرت فيها روح الإيمان رقراقة، تُهذّب شعورها، وتُنقّي سريرتها، وتُعلي همّتها إلى الله. وتلك هي اللياقة الروحية؛ أن يبلغ المرء مقامًا يشعر فيه بحبّ الله، ويوقن أن الله يحبه، مصداقًا لقوله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ}.
وليست هذه اللياقة جرعة تُشرب، ولا تمرينًا يُؤدّى، بل هي مسيرة تزكيةٍ طويلة، يجاهد فيها المرء نفسه حتى يزكو قلبه، وتطهر سريرته، فيصدق عليه وعد الله: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا}.
ومن معارج الوصول إلى هذه اللياقة أبواب عدة، أولها الإخلاص؛ فهو الأصل الذي تُبنى عليه الأعمال، وبدونه تذبل ثمارها. يكفي أن نسمع نداء النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، لنعلم أن السرّ الذي يُزهر به كل عمل إنما هو صفاء القصد.
ثم يلي ذلك ترك المعاصي، ظاهرةً وباطنةً؛ فالمعصية سمٌّ يسري في عروق الروح، يحجبها عن نور الله، ويقسي القلب حتى يعلوه الران. قال ابن عباس: “إن للحسنة ضياءً في الوجه ونورًا في القلب، وإن للسيئة سوادًا في الوجه وظلمةً في القلب.”
ومن أبواب اللياقة الروحية الاجتهاد في النوافل بعد أداء الفرائض، إذ يقول الحق سبحانه في الحديث القدسي: «وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه». فالقرب من الله لا يكون بالكثرة فحسب، بل بروح العمل وخلاصه من شوائب الرياء، وبصدق التوجه، وخشوع القلب.
ثم تلاوة القرآن بتدبر، فإنما أنزل ليُتدبّر ويُعمل به. فليكن القارئ حاضر القلب، يتأثر بما يتلو؛ يفرح بالبشارة، ويخشع عند الوعيد، ويعرض نفسه على الآيات كما يعرض المريض بدنه على الطبيب، فيرى عيوبه، ويستدرك ما فاته من دواء التقوى واليقين.
ومن أبوابها أيضًا الذكر، وهو حياة القلب، ودواؤه من وساوس الدنيا. قال ﷺ: «لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده». بالذكر تسكن النفس وتطمئن، وتجد ما فقدته القلوب من سكينةٍ وسلام.
وإذا زلّ العبد أو غفل، فباب التوبة مفتوح، لا يُغلق حتى تغرغر الروح. قال ﷺ: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل». فالتائب يعود إلى الله نقيًّا كأن لم يذنب، يبدل الله سيئاته حسنات.
ثم تأتي دموع الخشية التي تُطفئ نار القلوب. قال ﷺ: «عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله». فالبكاء من خشية الله انكسارٌ في ظاهر الجسد، لكنه انتصارٌ للنفس على كبريائها، وتطهيرٌ لقلوب قست بطول الغفلة.
ومن معارج اللياقة الزهد في الدنيا؛ أن يزهد المرء فيما يفنى ليظفر بما يبقى. قال ﷺ: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». فالدنيا ظلّ زائل، لا يليق بالعاقل أن يتخذه وطنًا، بل هي معبر إلى دار القرار.
ويُعين على ذلك ذكر الموت وقصر الأمل، إذ يردّ القلب إلى حقيقته، ويقطع عنه سُكر الغفلة. قال ﷺ: «أكثروا ذكر هاذم اللذات». فالموت ميزان الحقائق، يردّ الإنسان إلى حجمه، ويذكّره أن ما بعد اللحظة آتٍ لا محالة.
ثم مقام الخوف والرجاء، وهما جناحا الطائر الذي يطير به إلى رضوان الله؛ يخاف عدله ويرجو رحمته، فيعبد الله حبًّا لا رهبةً فقط، ورجاءً لا غرورًا. قال عليٌّ رضي الله عنه: «إنما العالم من لا يُقنّط الناس من رحمة الله، ولا يؤمنهم مكر الله».
فمن جمع هذه الخصال، زكت نفسه، واستقامت روحه، وصار قلبه كالمصباح الوضيء في دروب الظلمة، يعرف ربه حق المعرفة، ويذوق حلاوة القرب منه، فتغدو حياته كلها ذكرًا، وموته لقاءً، وسعيه بين ذلك عبادة لا تنقطع.


اللياقة الثانية: اللياقة النفسية
اللياقة النفسية هي قدرة الإنسان على تهيئة نفسه لمواجهة تقلبات الحياة بثباتٍ واتزان، من خلال اكتساب الفضائل ومجاهدة الرذائل. وهي قريبة الصلة باللياقة الروحية، إذ الإنسان لا ينفصل بعضه عن بعض، وجسده وروحه ونفسه أجزاء متكاملة.


يدور الحديث في هذا الباب حول ثلاثة محاور:
فضائل تُكتسب ورذائل تُجتنب، ثم قوانين نفسية تحكم سلوك الإنسان، وأخيرًا نصائح للتخلّص من القلق.


أولًا: الفضائل والرذائل
اختار العلماء اثنتي عشرة خصلة تمثّل لبَّ اللياقة النفسية، يتدرّب عليها المرء حتى تصير له سجية.


العقل والهوى:
العقل هو النور الهادي الذي يردّ صاحبه عن الزلل، والهوى ريحٌ تهوي بالمرء إلى دركٍ سحيق. ومن اتبع العقل نجا، ومن أطاع هواه هلك. فطاعة الهوى داء، وعصيانه دواء.


محاسبة النفس:
هي وقفة تأمل ومراجعة، ينظر فيها المرء إلى يومه بعين الناقد، فيستدرك خطأه، ويزيد من خيره. وقد قال عمر رضي الله عنه: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا." فالنفس غير المحاسَبة ميدان مفتوح للغفلة.


الصدق والكذب:
الصدق يهدي إلى البر، والبرّ يهدي إلى الجنة، والكذب يهوي بصاحبه إلى النار. ومن فقد الصدق فقد توازنه النفسي، لأن الكذب يهدم الثقة ويشوّه صورة النفس في عين صاحبها قبل غيره.


حسن الخلق:
هو لين الجانب وطيب الكلمة وطلاقة الوجه. به يبلغ المؤمن منازل الصائم القائم، وهو زينة الإيمان وجمال المعاملة. صاحب الخلق الرفيع محبوب قريب، وأما السيئ الخلق فهو في عناء دائم، والناس منه في نفور.


الحياء:
هو رقيب الباطن، يمنع صاحبه من القبيح ويحضّه على الجميل. والحياء من الله أن يراك حيث أمرك، ويفتقدك حيث نهاك، ومن استحيا من نفسه لم يقارف ما يخجل منه في الخلوات.


الحلم وكظم الغيظ:
الحليم هو من يملك نفسه عند الغضب، ويعفو عند المقدرة. قال ﷺ لأشج عبد القيس: "إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة." فالغضب عاصف يهدم المروءة، والحلم تاج النفوس الكبيرة.


التواضع ومجانبة الكبر:
الكبر يُقصي صاحبه عن القلوب، والتواضع يرفع قدر المرء عند الله والناس. كان عمر رضي الله عنه يذكّر نفسه بأيام رعي الغنم حتى لا تأخذه العزة بالإمارة، والعاقل لا يفرح بمدح لا يستحقه، ولا يغضب من نقدٍ صادق.


الحسد والمنافسة:
الحسد داء الأمم، يفسد الدين قبل الجسد، أما المنافسة في الخير ففضيلة شريفة. المؤمن يغبط ولا يحسد، يسعى ليبلغ دون أن يتمنى زوال فضل غيره.


الصبر والجزع:
الصبر أصل اللياقة النفسية وعمادها. به تثبت النفس أمام البلاء، وترتفع في مدارج الرضا. قال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}. والجزع لا يغيّر قضاء الله، وإنما يزيد الألم ألما.


الاستشارة:
العقل مهما سما يضلّ إن استبدّ. والمستشير يضيف إلى عقله عقولًا، وإلى رأيه آراءً. قالوا: "نعم المؤازرة المشاورة، وبئس الاستعداد الاستبداد."


كتمان السر:
السر إذا خرج من الفم صار سيفًا على صاحبه. قالوا: "سرك أسيرك، فإن تكلمت به صرت أسيره." وليس كل أمينٍ على المال أمينًا على الكلام، فالعاقل لا يودع سره إلا عند ناصحٍ كتوومٍ حكيم.


التفاؤل وترك الطيرة:
المؤمن متفائل يرى الخير فيما قدّره الله، ولا يتشاءم من الأصوات أو المصادفات. قال ﷺ: "الطيرة من الشرك... وأحب الفأل الحسن." فالتفاؤل يشرح الصدر ويقوّي العزم، أما التشاؤم فيشلّ الإرادة ويفسد التدبير.


ثانيًا: القوانين النفسية السبعة
كشف علماء النفس عن جملة قوانين تساعد الإنسان على تسخير طاقاته نحو النجاح:


1. قانون الضبط والتحكم:
من شعر أن زمام حياته بيده كان أقرب إلى السكينة، ومن استسلم للحوادث عاش مضطربًا. والأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل، بل هو شرطه. قال ﷺ: "اعقلها وتوكل."


2. قانون التوقع:
توقع النجاح يولّد النجاح، كما أن انتظار الفشل يجرّه. وقد أثبتت التجارب أن نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى من حوله تصنع أداءه وسلوكه.


3. قانون الجاذبية:
الإنسان يجذب أمثاله في التفكير والمزاج. فالمتفائلون يحيطون بالمتفائلين، والمتشائمون يجذبون مثلهم. الطيور على أشكالها تقع.


4. قانون التعويض (الأفكار):
العقل لا يحتمل فراغًا، فإن لم نملأه بفكرة نافعة امتلأ بغيرها. الأفكار الإيجابية تُزهِر كما تُزهِر البذور في الحقول. قال ابن القيم: النفس كالرحى لا بد أن تطحن، فإن لم تجد حبًّا طحنَت ترابًا.


5. قانون التكرار:
ما يكرره الإنسان يتحول إلى عادة، والعادات تصوغ الشخصية. فالتفكير الإيجابي المستمر يصير طبعا ثابتا كما تتقوّى العضلة بالتمرين.
وهكذا، فلياقة النفس ليست شعارًا يُرفع، بل رياضةٌ دائمة للنفس والعقل والقلب، تُدرَّب فيها النفس على الصدق والصبر، والعقل على الحلم والتعقّل، والقلب على الرضا والتفاؤل. فمن راض نفسه على هذه المعاني، فقد امتلك زمام روحه، وبلغ مرتبة من السكينة لا تنال إلا بالمجاهدة.
هناك قوانين خفية، لا تُكتب في دفاتر التشريع، ولكنها منقوشة في أعماق النفس، تحكم سيرها كما تحكم الجاذبية دوران الكواكب. من عرفها سار مطمئن الخطى، ومن جهلها تاه في ظلمات نفسه.


6. قانون الاعتقاد
إن ما يؤمن به الإنسان في قرارة نفسه هو الذي يوجّه أفعاله ويصوغ مصيره.
الاعتقاد ليس فكرة عابرة، بل نبع يتفجر في الداخل، يغذي السلوك من حيث لا يشعر صاحبه.
كم من إنسانٍ قاده يقينه إلى العظمة، وكم من آخر قيده ظنه فظل أسير العجز!
من ظن نفسه ضعيفًا صار كذلك، ومن أيقن أنه قادر على التغيير غيّر وجه حياته.
ولهذا قالوا: المرء ابنُ ما يظنّ، لا ابنُ ما يكون.
فاجعل إيمانك بنفسك نورًا، لا وهج غرورٍ ولا دخان كِبر، واستمدّ منه عزمك كما تستمدّ الشجرة غذاءها من الجذور.


7. قانون التركيز والانتباه
حيثما وُجِّه البصرُ طال النظر، وحيثما وُجِّه الفكرُ طالت الحياة.
النفس لا تنمو إلا في الأرض التي تُسقى بالاهتمام، وما تُهمِله يذبل فيك كما تذبل الزهرة المهجورة في الظلّ.
من جعل عينه على الجراح تضاعف وجعه، ومن نظر إلى الأمل اتسع له الطريق.
ولذا كان التفكر في النعم بابًا للرضا، والتفكر في البلايا بابًا للشكر، وكلاهما يرفع النفس إلى علياء السكينة.
قال بعض الحكماء: انظر إلى ما بقي لك، لا إلى ما فات منك، فإن الشكر حياة، والسخط فناء.


سبل اكتساب اللياقة النفسية
اللياقة النفسية لا تُنال بالتمني، ولا تُشترى بالدواء، ولكنها ثمرة مجاهدةٍ طويلة وصحبةٍ صالحة وتربيةٍ واعية للنفس.


أولًا: الصفاء مع الله.
من أصلح ما بينه وبين ربه أصلح الله له ما بينه وبين نفسه والناس.
فإذا صفا القلب من الأحقاد، وامتلأ ذكرًا واستغفارًا، انقشعت عنه غيوم القلق، وسكنت فيه الطمأنينة.
إن القلب إذا أضاء بنور الإيمان، رأى في كل بلاء نعمة، وفي كل ضيق فرجة.


ثانيًا: الأنس بالوحدة الهادئة.
النفس تحتاج إلى لحظات سكون، تعود فيها إلى ذاتها، وتراجع فيها فوضى الأيام.
كم في خلوة قصيرة من تجديدٍ للعزم، وغسلٍ للهمّ، وإحياءٍ للضمير.
قال ابن عطاء: من لم تكن له ساعةٌ يخلو فيها بنفسه، لم يذق طعم الإخلاص.


ثالثًا: العناية بالفكر والقراءة.
العقل غذاء النفس كما الطعام غذاء الجسد.
اقرأ لتستنير، لا لتتباهى، وتأمل لتفهم، لا لتجادل.
في كل كتابٍ صادقٍ صديقٌ ناصح، وفي كل فكرةٍ صافيةٍ مرآةٌ تريك نفسك كما هي، لا كما تتوهمها.


رابعًا: مصاحبة الصالحين والناصحين.
الأرواح جنود مجندة، والأنفس تتأثر بالصحبة كما تتأثر الأزهار بنسيم الربيع.
خالط من يذكّرك بالله إذا نسيته، ويردّك إلى الصواب إذا زللت، فإن الصديق الصالح مرآةُ صدق، لا مرآةُ زيفٍ تُجمّل الخطأ.


خامسًا: حسن الظن بالله والناس.
النفس المريضة تفسر كل شيء على أسوأ وجه، والنفس السوية ترى في الناس بذور خيرٍ كثيرة.
ومن ظنّ بربه خيرًا وجد الخير، ومن ظنّ به ظنّ السوء عاش في ظلمة نفسه، قال الله تعالى في الحديث القدسي: " أَنَا عِندَ ظَنِّ عَبْدِي بِي ". فاجعل ظنك بالله جسرًا من رجاء، لا سجنًا من خوف.


سادسًا: التوازن بين العمل والراحة.
الإفراط في الجدّ يُنهك النفس كما يُنهك الجسد، والكسل الطويل يورث همًّا وفتورًا.
النفس تحتاج إلى راحةٍ كما يحتاج القلب إلى نبضة، فليكن في يومك وقت للجدّ، ووقت للسكينة، ووقت للضحكة الطيبة.


سابعًا: الإيمان بالقَدَر والتسليم لله.
كل اضطراب في النفس إنما منشؤه رفضُ ما كان، أو خوفُ ما سيكون، أما المؤمن فيسلّم لربه تسليم الواثق المحب، يعلم أن ما كُتب له لن يخطئه، وما أخطأه لم يكن له. والتسليم ليس عجزًا، بل راحةُ قلبٍ أيقن أن التدبير بيد الحكيم الرحيم.


اللياقة النفسية ليست زينة خارجية، بل بناءٌ داخليٌّ راسخ، يشبه شجرةً أصلها في الأرض وفرعها في السماء، تُسقى باليقين، وتثمر سكينة، وتظلل صاحبها في هجير الحياة، ومن وُفّق إليها لم تكد تُحزنه الحوادث، ولا تُغضبه الفجائع، لأن في داخله وطنًا آمنًا لا تهزه الرياح.
هؤلاء هم من وصفهم الله بقوله: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ، أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}.

اللياقة الثالثة: اللياقة العقلية: فن التفكير

العقل الإنساني ميدانٌ عجيب؛ فيه تدور معارك الوهم والحقيقة، ويتقابل نورُ البصيرة مع ظلال الهوى، كما تتقابل الشمس مع الغيم. فمن رامَ اللياقة العقلية، وجب عليه أن يروض فكره كما يروض الرياضي عضلاته، وأن يُخضع خواطره لتمارين الوعي كما يُخضع الجسدَ للرياضة والنظام.
التفكير ليس مجرد حركة في الرأس، بل فنٌّ له مهاراته، ورياضة لها أصولها. فالعقل — إذا لم يُدَرَّب — يضعف، وإذا لم يُوجَّه — ضلّ، وإذا لم يُطهَّر — تعلّق بالأهواء كما تتعلّق الشوائب بالماء الراكد.


مهارات التفكير
من أولى مهارات التفكير: التفكير الناقد، وهو ميزان العقول الرصينة، يقوّم الفكرة كما يقوَّم الذهب بالنار؛ لا يقبل كل ما يُعرض عليه، بل يختبر، ويميز الصحيح من الزائف.
وأما التفكير الإبداعي فهو شرارة الخلق والاكتشاف، يضيء للعقل دروبًا لم يسرها من قبل، ويستخرج من المألوف جديدًا.
ومن المهارات كذلك: وضع البدائل بدل الوقوف عند حلٍّ واحد، والتلخيص لاستخراج لُبِّ المعاني من بين زوائدها، والمقارنة لتجلية الفروق والصلات، والتصنيف لتنظيم المعارف في مواضعها، والعصف الذهني لإطلاق العقول في فضاء الأفكار، ثم الافتراض والتخطيط وترتيب الأولويات، وهي أدوات العقل المنضبط الذي لا يخطو خطوة إلا بعد نظرٍ ورويّة.


وسائل تحسين التفكير
وكما يحتاج الجسد إلى غذاءٍ ورياضة، فإن الفكر يحتاج إلى أخلاقٍ وعادات تصقله وتنعشه.


أول هذه الأخلاق: قول “لا أدري”، فإن من شيم العاقل أن يقف حيث لا يعلم، فلا يغترّ بجهله، ولا يتصدر فيما لا يحسن. وقد قال الشاعر:

ومن كان يهوى أن يرى متصدِّرًا ** ويكره: لا أدري، أُصيبت مقاتله


وثانيها: الإخلاص في طلب الحق، كما قال الإمام الشافعي: «ما ناظرتُ أحدًا إلا أحببت أن يُوفّق ويُسدَّد، ويكون له من الله رعاية وحفظ». فالعقل المخلص لا يخاصم من أجل الغلبة، بل يسعى إلى النور حيثما وجده.


وثالث الوسائل: الحوار، فهو جسر بين العقول، ونافذة يطل منها المرء على آراء الآخرين. ومن أعرض عن الحوار عاش في كهف فكره الضيق، يظن أن ما عنده هو العالم كله. والحوار الحق لا يعني تطابقًا في الرأي، بل تلاقحًا يثمر فهماً أوسع، كما تتلاقح الأنهار فتغذي البحر الكبير.


ورابعها: القراءة؛ فهي غذاء الفكر، ورياضة العقل. نزل الوحي أول ما نزل بأمرٍ واحد: اقرأ، وكأن السماء نادت الإنسان منذ البدء إلى حياةٍ من الوعي والتأمل. القارئ يعيش عمرًا أطول من عمره، لأن كل كتاب حياة، وكل مؤلف نافذة جديدة على الكون. قال العقاد: “أهوى القراءة لأنها تمنحني أكثر من حياة واحدة في مدى عمرٍ واحد”.. وحسن القراءة لا يكون بالإكثار فقط، بل بحسن الاختيار؛ فليس كل كتاب يستحق الوقت، كما ليست كل شجرة تُثمر. نقرأ للرواد في كل علم، ونقرأ بوعيٍ جاد، نستخلص الفكرة ونسائلها، ونستمتع بما نقرأ دون أن نصبح عبيدًا له.
والقراءة وحدها لا تكفي، لذا يأتي دور الكتابة، فهي مرآة الفكر ومقياس صفائه. الفكرة التي لا تُكتب تذوب كالبخار. ولذا قال القدماء: لابد للطالب من كُنّاشٍ يكتب فيه قاعدًا أو ماشي. فليكن لنا دفتر صغير نصيد فيه ما يلمع في الذهن من خاطر قبل أن يتبخر في فضاء النسيان.


أخطاء التفكير
ومن تمام اللياقة العقلية أن نحذر ما يفسد الفكر من آفات، وأخطرها التعميم والتسرع في الأحكام. كم من رأيٍ بُني على مثالٍ واحد فاختلّ ميزانه، وكم من قضية حُكم عليها قبل اكتمال بينتها!
ثم الاعتماد على مصادر غير صحيحة؛ فليس كل ما يُسمع يُصدّق، ولا كل ما يُكتب يُوثق. إن بعض الناس يبنون مواقفهم على إشاعات وأحاديث لا أصل لها، مع أن الوحي أنذرنا: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}، وحذّر النبي ﷺ من الكذب عليه فقال: من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار.
وقد أدرك علماؤنا خطر ذلك فحرسوا العلم بالإسناد، وقالوا: “الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء”.
ومن الأخطاء أيضًا التفكير النظري المنعزل عن الواقع، حين يغرق الإنسان في التجريدات والمنطق المجرد دون أن يمدّ قدميه على أرض التجربة. إنّ الحقائق لا تولد في الذهن وحده، بل في التفاعل بين الفكر والواقع، بين النظر والعمل.
وهكذا ترى أن اللياقة العقلية ليست حفظَ معلومات، ولا براعةَ منطق فحسب، بل هي تربية للنفس على الصدق، وتطهير للعقل من الغرور، وتدريب على رؤية الأشياء كما هي لا كما نهوى.
فمن صفا فكره، صفا قلبه، ومن صلح عقله، استقامت مسالكه. والناس في دنيا الفكر بين من يرى بعينيه ومن يرى بعين هواه، وبينهما كما بين النور والظلمة فرقٌ لا يخفى على بصيرٍ أضاء اللهُ عقله بالإخلاص والصدق.


صراع الهوى، وانحراف الموازين:
إن أخطر ما يهدد اللياقة العقلية ليس الجهل، بل الهوى؛ ذاك الميل الخفي الذي يسرق من الإنسان بصيرته، ويُلبس الباطل لبوس الحق، ويغريه أن يعبد رغباته وهو يظن أنه يعقل ويهتدي.
الهوى — كما قال الراغب الأصفهاني — يهوي بصاحبه في الدنيا إلى كل داهية، وفي الآخرة إلى الهاوية. فهو ميل النفس إلى ما تستلذه الشهوات بغير داعٍ من شرعٍ أو عقل. فالهوى هو أعدى أعداء العدل، وخصم التفكير السليم. يُعمي القلب عن مواضع الحق كما يُعمي الغبارُ البصر عن الطريق. وربما يدفع صاحبه إلى التكذيب والعناد، بل وإلى القتل كما فعلت الأهواء ببني إسرائيل حين استكبروا وقالوا: {فَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ}.
وقد سماه المفكرون المعاصرون “التحيّز”، وهو انحرافٌ في التفكير تقرره الانفعالات قبل أن يشرع العقل في النظر. قال جوزيف جاسترو: “إن التفكير الصحيح عسير لأن العواطف تتسلل إلى الحكم، فنميل إلى تصديق ما نحب أن نصدق، وإنكار ما نكره أن يكون حقًّا.”
وليس الهوى دومًا فجًّا صارخًا؛ قد يتخفّى في ثوب المنطق، ويتسلل إلى الظنّ من منافذ دقيقة. لذلك وجب على المفكر أن يراقب قلبه قبل قلمه، وأن يطهّر نيته قبل أن يزن الأفكار. فـ"عين الرضا عن كل عيب كليلة"، والعقل الذي أسكره الهوى لا يبصر إلا ما يهوى.
ومن أعداء التفكير أيضًا المبالغة في التبسيط، تلك الرغبة الكسولة في حشر المعقد في قوالب سهلة. فكما أن البدين لا يشفى إلا بنظامٍ دقيق يضعه الطبيب ويعدّله، كذلك الفكر لا يُهذّب بشعارٍ ولا يُبنى بعبارةٍ عابرة.
قال ثاولس: “إن المسائل الواقعية لا تُؤدَّى حقها بكلمات قليلة، لكن الناس يطمئنون إلى جملةٍ مختصرة يظنونها الحقيقة كلّها.”
فتُختزل نظرية النسبية في عبارة: كل شيء نسبي!، وتُختصر علوم التغذية في كلمات كـ"الحليب مغذٍّ" و"الخس غني بالفيتامينات"، وكأنما أُغنيَ العلم في سطرين!
والشعارات السهلة تُغري العقول بالخمول، وتُغلق باب البحث. قد تنفع في الخطابة أو التعليم العام، لكنها — إن حكمت الفكر — أفسدته. فالبساطة إن كانت مخرجًا للكسل صارت سذاجة، وإن كانت غايةً للحكمة صارت جمالًا.


ومن الانحرافات الفكرية الخلط بين التقدير والتقديس.
احترام العلماء والفضلاء خُلُق نبيل، دعا إليه الدين ورفع أهله مقامًا، لكن المبالغة فيه حتى يضيع التمييز بين البشر والملائكة، فتلك عبودية فكرية لا لياقة عقلية.
فالحق لا يُحكر على أحد، والعالم مهما بلغ لا يُعصم من الخطأ. قد يزلّ في فقهٍ وهو إمام في الحديث، أو في الحديث وهو فقيهٌ كبير. وقد يكون تقيًّا ورعًا لكن ذا ذاكرة ضعيفة أو رأيٍ مضطرب. قال الجاحظ: “لكل أحد نصيب من النقص، ومقدار من الذنوب.”
بل قد يدرك الطالب الصغير ما يغيب عن أستاذه الكبير، ويخالف التلميذ إمامه في الرأي دون أن يُنقص ذلك من أدبه أو احترامه. فمخالفة الرأي ليست خيانة، كما أن الموافقة العمياء ليست وفاءً.


ويلي ذلك خطأٌ آخر: عدم التفرقة بين النص وتفسير النص.
فالقرآن كلام الله الذي لا يأتيه الباطل، والحديث كلام نبيه الموحى إليه، أما الفهم فعمل بشري، يقبل الخطأ والصواب. ومن خلط بين النص وفهمه للنص جعل من نفسه وصيًّا على الحقيقة.
لقد اختلف الصحابة أنفسهم في فهم كلام النبي ﷺ، كما في قصة الصلاة في بني قريظة، فأقرّ النبي كلا الفريقين؛ لأن كليهما اجتهد صادقًا. فكيف يُخطئ أحدنا اليوم غيره لأنه فهم غير فهمه؟
وقد شبّه المفكر الفرنسي "رينيه دوبو" الأمر بتجربة أربعة رسّامين رسموا المنظر نفسه، فجاءت لوحاتهم مختلفة تمامًا، لأن كلًّا منهم رأى الطبيعة بعين نفسه، لا بعين الحقيقة المجردة.


ومن الأخطاء كذلك أخطاء المقارنة؛ حين نضع حسنات طرف أمام سيئات آخر، ثم نحكم بغير ميزان العدل.
العقل السليم يضع الحسنات جميعها في كفة، والسيئات جميعها في كفة، ثم يوازن بينهما بالوزن لا بالهوى. فالخير درجات كما الشر درجات، وليس إغلاظ القول للأخ الأصغر كإغلاظه للأب، ولا التفريط في نافلة كالتفريط في فريضة.


ثم يأتي تناقض الموازين أو ما يُسمّى “الكيل بمكيالين”، وهو داءٌ خفيٌّ في العقول قبل القلوب. يستدل أحدهم بقول إمامه ويطالب خصمه بدليل من القرآن، ويستنكر على غيره ما يبيحه لنفسه! وهذا تطفيفٌ معنوي لا يقل خطرًا عن تطفيف الكيل والميزان الذي توعد الله عليه بقوله: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ}. فكما يُطفف التاجر في الميزان المادي، يُطفف المفكر في ميزان العدل حين يزن بعاطفته لا بعقله. ورب تطفيفٍ معنويٍ أشدّ خطرًا من سرقة الذهب، لأنه سرقة للحق.


أما آخر الأخطاء فهو الخطأ في استعمال اللغة.
فاللغة وعاء الفكر، ومن اختلّ وعاؤه تسرّبت معانيه وضاعت. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “تعلّموا العربية فإنها تُثبت العقل وتزيد في المروءة.” وكان الشافعي يقيم علم العربية عشرين سنة ليستعين بها على الفقه، ويقول: “أصحاب العربية جنّ الإنس، يبصرون ما لا يبصر غيرهم.”
والألفاظ إذا انفصلت عن المعاني أضلت العقول، كما قال عبد القاهر الجرجاني: “من جعل المعنى تابعًا للسجع أفسده.”
وهكذا تنتهي رحلة “اللياقة العقلية”، دعوةً إلى صفاء الذهن، ونزاهة الحكم، وصدق الفكر، وتحرير العقل من الهوى والجمود والتقديس والتطفيف، فمن صفا قلبه من الغرض، وأخلص في طلب الحق، وتحرّر من أسر التقليد والكسل والهوى — بلغ من اللياقة العقلية ذروتها، وأصبح فكره مرآةً صافيةً يرى فيها العالم كما هو، لا كما يحب أن يكون.

اللياقة الرابعة: اللياقة الاجتماعية: فن التعامل مع الناس
ليس الإنسان جزيرةً منعزلة، بل كائنٌ يعيش بين الناس، يؤثر ويتأثر، ويُقبل ويُدبر. وسعادته في دنياه مرهونة بقدرته على حسن التعامل، كما أن إخفاقه في الحياة لا يكون إلا ثمرة جفوةٍ أو سوء خلق. وقد قال النبي ﷺ: «المؤمن يألف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف»، فالمؤمن ليّن الجانب، سهل العشرة، طيب المعشر، يعرف كيف يفتح القلوب بمفتاح اللطف والمودة.


فن معاملة الناس
إن فن معاملة الناس يقوم على جملة من القواعد الرفيقة التي تجعل العلاقات الإنسانية أكثر دفئًا وصدقًا.


أولها: أن تتجنب توجيه اللوم؛ فقلّ أن يصلح اللوم ما أفسدته النفوس، لأنه يوقظ الكبرياء، ويجعل الإنسان يدافع عن نفسه بدل أن يعترف بخطئه. وقد كان رسول الله ﷺ المثل الأعلى في ذلك، فما لام خادمًا ولا عنّف أحدًا قط.


وثانيها: أن تُقدّر الناس، وتثني عليهم بما فيهم من خير دون مبالغة ولا تملق، وأن تُبدي اهتمامك بهم؛ فالكلمة الطيبة تفتح في القلب نوافذ الود.


وثالثها: أن تحدّث الناس عما يحبون لا عما تحب أنت، فالحديث عن اهتماماتهم يقرّبك إليهم، كما أن الصياد لا يصطاد السمكة بالجبن الذي يحب، بل بالدودة التي تحبها هي.


ورابعها: أن تبتسم، فالابتسامة لُغة القلوب، وهي من الصدقات التي لا تكلّف شيئًا، وتغرس في النفوس سعادة متبادلة.


وخامسها: أن تحفظ أسماء الناس؛ فالاسم أعز ما يملكه المرء، ومخاطبته به دليل اهتمام ومودة.


وسادسها: أن تُصغي باهتمام، فالمستمع الجيد أحب إلى الناس من المتكلم البليغ. أكثر الناس لا يصغون، إنما ينتظرون دورهم في الكلام، أما صاحب اللياقة فينصت بقلبه قبل أذنه.


وسابعها: أن لا تجادل، لأن الجدل قلّ أن يثمر إلا خصومة، والغاية ليست أن تكسب المواقف، بل أن تحفظ القلوب.


وثامنها: أن تكون لطيفًا حين تشير إلى خطأ غيرك، فالنقد القاسي يجرح، أما اللطف فيصنع من النصيحة جسراً إلى الفهم والتصحيح.


وتاسعها: أن تعترف بخطئك، فإن الاعتراف فضيلة ترفعك عند نفسك، وتكسبك احترام الآخرين.


وعاشرها: أن تتعامل بالرفق لا بالعنف، فالكلمة الطيبة تصيد القلوب، ونقطة من العسل تجذب الذباب أكثر مما يجذبه برميل من العلقم.
والقاعدة التالية أن تضع نفسك مكان الآخر؛ أن تنظر بعينيه وتفكر بعقله، فربما أدركت حينها أن له عذرًا لا تراه.
ثم أن توقظ في الناس دوافع الخير؛ فكل إنسان يحمل في داخله بذور المروءة، وقد أمرنا القرآن: «ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم».
ومن جميل الأدب أن تقدم اقتراحات مهذبة لا أوامر خشنة، وأن تقول: لو، أو من فضلك، بدلًا من افعل.
وأن تحبب الناس فيما تريد منهم أن يفعلوه، بأن تريهم ما فيه من نفع وخير.
وأخيرًا، أن تقدم الحكمة على المنطق، فالعقل قد يدعوك إلى العقوبة، لكن الحكمة تدعوك إلى العفو، وهذه أسمى مراتب اللياقة الاجتماعية.


فن التواصل
التواصل فن آخر، هو روح العلاقات وميزانها، وهو يحتاج إلى تدريب ولباقة كما يحتاج الصوت إلى نغمة والعين إلى ضوء.
وأول أصوله أن تدرك أن اختلاف الآراء سنة من سنن الحياة، فلا تجعل اختلاف الفكر سببًا لاختلاف القلوب.
وثانيها أن تتعلم قبل أن تناقش؛ فالنقاش بلا علمٍ ضعف، والدفاع عن فكرة لا تؤمن بها عبث.
وثالثها أن تختار الظرف المناسب للمحادثة: مكانًا وزمانًا وشخصًا، فلكل موقف مقال.
ورابعها ألا تقاطع من يتكلم، فذلك من أدب الحديث. دع المتحدث يُتم فكرته ثم أبدِ رأيك بلطف.
وخامسها أن تقلل الكلام، فالإيجاز مفتاح القبول، والإطالة تُملّ ولو كانت في الحق.
والسادس أن تحدث الناس على قدر عقولهم، فلا ترفعهم فوق طاقتهم ولا تهبط بالحديث دون مستواهم.
والسابع أن تراقب نفسك في نبرة صوتك وتعبير وجهك، فإن الملامح رسائل قبل الكلام.
والثامن أن تكون بليغًا في التعبير، واضحًا في اللفظ، بعيدًا عن الغموض والركاكة.
والتاسع أن تستعين بالأمثلة، فهي تُقرب المعنى وتترك الأثر في الذهن.
والعاشر أن تبدأ حديثك بما هو مشترك بينك وبين الآخرين، فذلك أدعى للقبول وأقرب إلى الألفة.
واحذر أن تفقد السيطرة على نفسك، فبعض الناس يجادلون للغلبة لا للحق، فاصبر ولا تُستدرج.
وكن أمينًا في عرض الأقوال، فلا تقتطع الكلام من سياقه، ولا تنسب لغير قائله ما لم يقل. ولا تخلط بين الفكرة وصاحبها، فناقش الرأي لا الشخص، وافصل بين النقد والمهانة. واذكر أن لكل مقام مقال، فليس كل ما يُعلم يُقال، ولكل بيئة أسلوبها وحدودها. وكن منصفًا، أثنِ على ما ترى فيه صوابًا، وجادل بالتي هي أحسن؛ فرب كلمة ثناء تكسب القلوب. واجعل لكل حديث هدفًا، ولا تدعه يضيع في فروعه. ولا تتوقع أن يوافقك الناس دائمًا؛ فقد تخطئ أنت، وقد يحول الهوى بينهم وبين الصواب، فتقبّل الخلاف برحابة صدر.
وإذا رأيت أن النقاش فقد جدواه، فأغلقه بهدوء؛ فإن استمرار الحديث بعد انطفاء الحكمة يزيد النار اشتعالًا.
هكذا تبدو اللياقة الاجتماعية ثمرة تهذيبٍ طويلٍ للنفس، وتربيةٍ للعاطفة والعقل معًا. هي أن تعرف متى تتكلم ومتى تصمت، ومتى تُعاتب ومتى تعفو، ومتى يكون الصواب في الكلمة، ومتى يكون في الصمت عنها.
ومن رُزق هذه اللياقة فقد أوتي مفتاح القلوب، وجمال الروح، وسكينة العشرة.

اللياقة الخامسة: اللياقة البدنية
الإنسان العاقل لا يعرف روحه وحدها، بل يعرف جسده أيضًا، ليحسن التعامل معه ويحفظ توازنه. فكما أن للروح غذاءها من الإيمان، فللبدن غذاؤه من الطعام والرياضة. وتتحقق اللياقة البدنية في حالتين: في الصحة، وفي المرض.
في حال الصحة تتحقق اللياقة بالمحافظة على غذاء أمثل، وحركة منتظمة.


أولاً: الغذاء الأمثل
المعرفة بالغذاء ضرورية، لكن العبرة بالتطبيق. فالناس يعرفون النصائح، لكنهم يغفلون عنها. ومن القواعد الذهبية في التغذية:
لا تملأ معدتك، واجعل ثلثها للطعام وثلثها للشراب وثلثها للنفس. ولا تدخل الطعام على الطعام. وقلّل من الدهون والملح والسكر والمشروبات الغازية. وأكثر من الخضروات والفواكه الطازجة. فالغذاء المعتدل لا يملأ البطن فحسب، بل يغذي الخلايا، ويمنح الجسد طاقته المتزنة.


ثانيًا: الرياضة المناسبة
لقد أورثت حياة العصر أجسامًا خاملة وأمراضًا وافرة، مثل السمنة والسكري وارتفاع الضغط وأمراض القلب. والدواء في الرياضة المنتظمة، فهي تنعش كل خلية في الجسد، من القلب إلى العظام، ومن الرئتين إلى الدماغ.
إنها لا تصنع الجسد القوي فقط، بل تصلح النفس أيضًا، فتذهب التوتر، وتحسن النوم، وتزيد الثقة بالنفس، وتنعش الإبداع، فالفرق بين النشيط والخامل أن الأول عضلاته قوية ومرنة وعظامه متينة، وضغط دمه متوازن، ودمه خفيف الحركة، وقلبه أقوى. أما الخامل فعضلاته مرتخية، وعظامه ضعيفة، وضغط دمه مرتفع، ونبضه سريع.
وينصح أن يمارس الإنسان الرياضة من ثلاثين إلى ستين دقيقة، خمس مرات في الأسبوع، بحيث تكون ضربات القلب بين ستين وثمانين في المئة من الحد الأقصى لعمره.


خطوات عملية نحو اللياقة البدنية:
أولًا: قيّم مستواك الحالي، راقب نبضك، ومدى قدرتك على الجري والانحناء، ومؤشر كتلة جسمك.
ثانيًا: اختر البرنامج المناسب، وحدد هدفك، واختر رياضة تحبها، وضع خطة متدرجة تراعي وقتك وصحتك.
ثالثًا: استعد، وجهّز الحذاء المناسب ورفقاء التدريب ووسائل المتابعة.
رابعًا: ابدأ بالتدرج، ولا ترهق نفسك، واستمع إلى جسدك وامنحه الراحة حين يحتاجها.
خامسًا: قيّم تقدمك بعد ستة أسابيع، وجدّد حماسك إن خبا، فالثبات هو مفتاح النجاح.


وفي حال المرض، يكون المريض الذكي هو الذي يجمع بين الوعي والتوكل. وقدّم الدكتور عشر نصائح للمريض الذكي:
أولًا: ثقف نفسك صحيًا من مصادر موثوقة.
ثانيًا: لا تكن طبيب نفسك ولا تصف الدواء دون استشارة مختص.
ثالثًا: اختر طبيبًا أمينًا ومؤهلًا يعطيك من وقته واهتمامه.
رابعًا: تذكر أن الطبيب بشر يخطئ ويصيب، فلا ترفعه فوق قدره.
خامسًا: استشر أكثر من رأي عند الحالات الخطيرة.
سادسًا: اقرأ عن مرضك دون تعالٍ، فالعلم يعينك ولا يغنيك عن الطبيب.
سابعًا: دوّن أسئلتك قبل الزيارة لتناقش بوعي.
ثامنًا: كن متعاونًا مع طبيبك، فالتفاهم بينكما يسرّع الشفاء.
تاسعًا: تجنب اليأس والتذمر، فالإيجابية نصف الدواء.
عاشرًا: وتذكر قول الله تعالى: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ}، فاشفِ روحك بالدعاء، وجسدك بالعلاج، وكن واثقًا أن الشفاء بيد الله وحده.
اللياقة البدنية ليست عضلات مشدودة فحسب، بل هي انسجام بين الجسد والعقل والروح. فمن عرف بدنه، وغذّاه بوعي، وحركه باعتدال، واحتسب في مرضه وصحته، فقد جمع بين نعمتين عظيمتين: نعمة الصحة ونعمة الرضا.

اللياقة السادسة: اللياقة المالية ومعنى التوازن
من أعظم ما يورث الناس القلق والهمّ اضطرابهم في شؤون المال، فهو سرّ سعادةٍ حين يُحسن المرء تدبيره، ومصدر شقاءٍ إذا أسيءَ استخدامه. كم من بيتٍ تهدّم بسبب سوء التصرف، وكم من قلبٍ ضاق وهو بين يديه ما يكفيه لو عقل.
وليس المال في ذاته مذمومًا ولا ممدوحًا، إنما هو أداة تُظهر عقل صاحبه أو طيشه، رشده أو غفلته. وما أحوج المربين والآباء والمعلمين أن يُعنَوا بهذا الجانب من التربية، فيعلّموا أبناءهم فنّ الكفاية قبل فنّ الكثرة، والرضا قبل الرغبة.


فلسفة الإنفاق والتدبير
كثيرون يظنون أن السعادة تُشترى بزيادة الدخل، وأن الراحة تكمن في المظاهر الباذخة من بيوتٍ فارهة ومراكب لامعة، ولكن الحقيقة أن السعادة شعور داخلي لا تُقاس بثمنٍ ولا تُربط بمال.
وإن من أخطر ما يواجه المرء أن يقع في مصيدة الرفاهية؛ كلما زاد دخله زاد إنفاقه، وكأن المال ماءٌ في إناء مثقوب لا يملأه شيء. وليس العيب في قلة المال، بل في قلّة الحكمة في إنفاقه.
أول طريق الرشد أن يعرف الإنسان كيف يُخطّط، وكيف يُسجّل نفقاته، وكيف يُحلّل سلوكه المالي. فالتخطيط عقلٌ، والتسجيل ذاكرة، والتحليل بصيرة. من اتخذ القلم دفتراً لنفقاته أدرك بعد أشهر أين تسربت دراهمه، ومن أيّ ثقوب خرجت أرزاقه.


ميزان الحكمة في المعيشة
ليس الكرم أن تُنفق دون حساب، ولا الاقتصاد أن تبخل على نفسك وأهلك. الكرم خُلُق، والإسراف ضعف، والشحّ مرض، والاعتدال فضيلة لا يُحسنها إلا العاقل.
احرص على أن تنفق فيما تحتاجه حقًّا، لا فيما يُغريك به إعلان أو يزينه لك بريق المتاجر. اشترِ الأفضل بسعرٍ معقول، وقدّم الضروريات على الكماليات، والعلم على الزينة، والمسكن على المتعة العابرة.
ولا تجعل القرض عادةً تُثقل بها قلبك، بل اجعلها آخر الحلول، وسدّد دينك سريعًا لتبقى نفسك حرّة غير مقيدة.


تربية الأبناء على الوعي المالي
من نعم الله على الأب أن يُربّي أبناءه على التدبير، فيعلّمهم قيمة المال لا حبه، ويدربهم على التوفير لا الحرمان.
حدّثهم عن الدعاية التي تُغري وتخدع، وبيّن لهم أن السعادة لا تُشترى بسلعة. علّمهم أن يكتبوا ما يحتاجونه، وأن يعرفوا من أين يأتي مصروفهم وأين يذهب. فطفلٌ يتعلّم الادخار اليوم، هو رجلٌ يعرف إدارة رزقه غدًا.


حكمة الشراء والتسوق
قلّل من الأكل خارج المنزل، وابتعد عن الطعام الجاهز إلا لحاجة. واذهب إلى السوق بخطة مكتوبة، فالمتجر ساحة إغراء، والإعلانات صيّادون ماهرون.
اشترِ ما تحتاجه قبل الحاجة إليه، واغتنم التنزيلات الموسمية، لكن لا تتخذ التسوق نزهةً للعين؛ فالعين لا تشبع، والجيب لا يحتمل.
ولا تنخدع ببريق البطاقات الائتمانية، فادفع نقدًا لتشعر بقيمة ما تخرج من يدك، فالمال الذي لا نراه يُنفق بسهولة وندم.


في زكاة المال وسرّ البركة
الزكاة ليست نقصًا في المال بل زيادةٌ في البركة. من أدّى حقّ الله في ماله، وساهم في وجوه الخير، أحسّ بخفةٍ في قلبه وسَعةٍ في رزقه. فالسخاء شفاء من القلق، والبذل طريقٌ إلى الطمأنينة، وقد قال النبي ﷺ: «نِعْم المالُ الصالح للرجل الصالح».


الأهداف ومعنى النجاح
الحياة التي تمضي بلا هدف، كالسفينة التي أبحرت بلا بوصلة. النجاح لا يولد مصادفة، بل يُصنع بالنية الواضحة والتخطيط الدقيق. وقد دلّت الدراسات الحديثة على أن من يكتب أهدافه ويضع لها خطة، يحقق من النجاح ما لا يبلغه غيره في أضعاف الزمن. فالكتابة توثيقٌ للعزم، والعزم نداءٌ للعمل.


في الإخفاق حكمة وفي التحدي حياة
الإخفاق بداية النجاح لا نهايته. إديسون فشل آلاف المرات قبل أن يضيء العالم بمصباحه، لكنه لم يرَ في فشله إلا طريقًا آخر للتعلم.
الذين يخافون الخطأ لا يصنعون إنجازًا، والذين يرضون بمنطقة الأمان يذبلون فيها ببطء. أما الشجعان، فيغامرون بقدرٍ من الخطر ليكتشفوا طاقاتهم الكامنة.


اكتشاف منطقة التفوق
لكل إنسانٍ مجال يتألق فيه إن بحث عنه بصدق. التفوق ليس هبةً نادرة، بل ثمرة معرفة الذات. وما لم يجد المرء شيئًا واحدًا على الأقل يتقنه، فلن يعرف طعم احترام النفس.
ابحث عن مجالك، صُق موهبتك كما تُصقل الألماسة لتلمع، فالقيمة في الجهد لا في المظهر.


توازن الأهداف وسموّ النفس
الشخصية المتوازنة هي التي تجمع بين أهداف الروح والعقل والجسد، فلا تطغى إحداها على الأخرى.
من أراد التفوق في عمله دون أن يمنح نفسه راحةً أو عبادةً، فَقَدَ التوازن.
ولا بد أن تكون الأهداف واقعية، قابلة للتحقيق، وإلا صارت أحلامًا هاربة لا تُمسك.


خطوات بلوغ الهدف
ابدأ برغبةٍ صادقة تنبع من داخلك، ثم ثق بقدرتك على الوصول. اكتب هدفك بالتفصيل، فالكلمات المكتوبة وعدٌ بينك وبين نفسك.
تأمل المنافع التي ستجنيها من تحقيقه، وحدّد العقبات التي قد تعترضك، والمعلومات التي تحتاجها، والناس الذين يمكن أن يعينوك.
ضع خطةً واضحة، وعدّلها كلما تقدمت. وتخيّل هدفك وقد تحقق، فإنّ الخيال الواضح بذرة الواقع القادم.
اللياقة المالية ليست حساباتٍ جامدة ولا نصائحَ جافة، بل هي تربيةٌ للنفس على القناعة، وحكمةٌ في التصرف، وسموّ في المقصد.
من عرف كيف يدبّر رزقه، ويحفظ ماله، ويُحسن إنفاقه في وجه الحق، فقد جمع بين صلاح الدنيا وبركة الآخرة، وكان من أغنياء النفس وإن قلّ ماله، ومن صفوة الناس وإن كثر ماله.


ختامًا: (سرُّ الخلْطة) وواسطة العقد بين اللياقات الست:
ليست اللياقات الست مجرّد فصولٍ متفرقة أو عناوين متناثرة، بل هي أشبه بدررٍ منظومة في عقدٍ واحد، إذا انفصمت إحداها انفرط جمال الباقيات. فهي دوائر متكاملة تتقاطع في مركزٍ واحد هو الإنسان المتوازن؛ ذاك الذي يسير على هَدْيٍ من الوعي، لا تميل به شهوةٌ، ولا تعصف به عادة، ولا يطغى فيه جانبٌ على آخر.
فإنّ لياقة الجسد هي مدار العافية وقوة السعي، ولياقة النفس زادُ القلب وطمأنينته، ولياقة الفكر جلاء البصيرة وإشراق العقل، ولياقة العلاقات سياجُ المروءة في معاملة الخلق، ولياقة الحياة نظامها الجمالي والوظيفي، وأما اللياقة المالية فهي الواسطة التي تُمسك بالعقد وتربط أطرافه جميعًا، إذ تمسّ كل جانبٍ من جوانب الإنسان اتصالًا لا انفصالًا، وتُترجم القيم والمبادئ إلى واقعٍ عملي ملموس.
فالمال في حياة الإنسان ليس مجرد أرقامٍ أو أرصدة، بل رمزٌ للقدرة والمسؤولية، ومرآةٌ لمدى وعيه بذاته ونظامه الداخلي. إن اللياقة المالية تُعبّر عن مدى انضباط المرء في سلوكه، وعن توازنه بين الأخذ والعطاء، وبين الرغبة والحاجة، وبين الأمل والواجب. وهي امتحانٌ يوميّ لقدرة الإنسان على أن يكون سيد ماله لا عبده، وأن يُنفق بعقلٍ وقلبٍ معًا؛ فيعرف متى يبذل ومتى يُمسك، ومتى يُقدِّم ومتى يؤجِّل.
ولعلّ سرّ هذه اللياقة أنها تُجسّد فضيلة الوسط في كل شيء، فهي من صميم التربية على التوازن، التوازن بين الحلم والطموح، وبين الاستهلاك والإنتاج، وبين اللذة والمسؤولية. ومن كان متزنًا في ماله، كان في الغالب متزنًا في فكره وعلاقاته ونفسه، إذ المالُ مرآةٌ خفية تكشف خفايا الشخصية، وتدلّ على مقدار نضجها ورشادها.
وما أكثر الذين خابت مساعيهم في ميادين الفكر أو الدعوة أو العلاقات، لا لعجزٍ في قدراتهم، بل لاختلال ميزانهم المالي؛ فاضطراب المال اضطرابُ القرار، وضيق الرزق بسوء التدبير قد يجرّ إلى اضطرابٍ نفسي وعقلي لا يخفى أثره. وفي المقابل، من أحسن إدارة رزقه، وتعلّم كيف يُمسك نفقاته بميزان الحكمة، رأى في ماله نعمةً ممتدة، وفي عطائه لذةً سامية، وفي زهده غنًى يغنيه عن الأكوان.
والذي يبلغ هذه المرحلة من الوعي المالي لا يعود ينظر إلى المال كغاية، بل كوسيلةٍ للتزكية والرقيّ، أداةٍ لخدمة القيم لا لنسفها، ومجالٍ لتربية النفس لا لامتحانها، فهو يعطي لا رياء، ويدّخر لا خوفًا، ويُنفق لا إسرافًا، ويستمتع بلا إسرافٍ ولا إسفاف.
وهذا هو جوهر التوازن الذي تنشده اللياقات جميعًا: أن يكون الإنسان ربّ نفسه، حاكمًا لعاداته لا محكومًا بها، منسجمًا بين داخله وخارجه، متصالحًا مع ذاته وربّه وخلقه.
وليس عجبًا أن يختار الدكتور أحمد البراء الأميري هذا النسق البديع في كتابه «اللياقات الست»، إذ نسج فيه رؤية متكاملة للإنسان الحديث الذي يعيش بين ضغط الماديات وتشعب المسؤوليات. فجاء كتابه مرشدًا عمليًا وأدبيًا في آنٍ واحد؛ يجمع بين عمق الفكرة وسلاسة العرض، ويعيد إلى التربية الحديثة بعدها الإنساني المفقود.


اختصار: أحمد بلال البيانوني

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، 23 شعبان 1439 هـ - 9 ماي 2018رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، 30 شعبان 1437 هـ - 5 جوان 2016أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، 12 شوال 1430 هـ - 30 سبتمبر 2009ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...