مضت السّنة الأولى من التحرير وكلّنا لا يريد أن يصحو من الحلم، وعلى مدار السنة بقيت الذاكرة مشدودة إلى صور الفقد والدم والدموع تقفز فرحًا تارةً ووجعًا على من فقدنا تارةً أخرى، ولكننّا مع دخول السنة الثانية وجدنا أنفسنا قد فتحنا الصفحة التي يُكتب فيها عنوان المستقبل، فالبلاد التي خرجت من قبضة القهر تحتاج أن تخرج في الوقت ذاته من قبضة الفوضى وتحتاج أن تُعيد ترتيب قلبها وعقلها معًا.
ومن أجل أن نكتب باقتدار صفحة البناء تلوح لنا أربعة معالم بانية تضيء الطريق وتمنع الخطى من الارتداد إلى الخلف، معالم تعين على ترشيد المسار وتحوّل رصيد الثورة إلى دولة تحمي الكرامة وتفتح أبواب المستقبل.
المعلَم الأوّل: الانتقال من عقلية الثورة إلى عقلية الدولة
الثورة في جوهرها طاقة نزِقَة واندفاعة غاضبة تتجه نحو كسر القيد وهدم الصروح المستبدة، والغضب في زمن الاستبداد طهارة سياسية، والنزق الثوريّ يبقى في سياق القهر حارسًا للروح من الترويض؛ غير أنّ بناء الدولة تتطلب وعيًا هادئًا وقدرة على إدارة التعقيد دون انفجار، وحنكة في ترتيب الأولويات دون تشويش، وهنا تتبدّل الوظيفة ففي الثورة كان المطلوب إزاحة العائق وهدم الكيانات الظالمة وأمّا في الدولة فيصبح المطلوب تعبيد الطريق وبناء المؤسسات العادلة، ومع ذلك فإن روح الثورة لا يجوز أن تغادر المشهد ولكن تتبدّل صورتها إذ تبقى حاضرة بوصفها حارسًا لمكتسبات التحرير وضميرًا يقظًا يمنع عودة الاستبداد بأقنعة جديدة دون أن تكون حاكمة في التفاصيل اليوميّة للعمل المؤسسي البنائيّ.
وفي هذا المعلم تبرز قضية شديدة الحساسية وهي أن تولّي المناصب والمسؤوليات يُبنى على الكفاءة والقدرة والخبرة وليس على السبق الثوريّ وتقديم التضحيات والشهداء لأن إدارة الشأن العام أمانة تحتاج أهلها من ذوي الكفاءة أمّا التضحيات فلها مقامها الرفيع الذي يُصان بالتقدير والتكريم وحفظ الحق والذاكرة وليس بتحويل مواقع المسؤولية إلى جوائز رمزية لمن بذل وضحّى في زمن الثورة، فالتكريم وفاء والمسؤولية كفاءة وخلط المقامين يضرّ بالوفاء ويُضعف الدولة معًا.
المعلم الثاني: الانتقال من العقلية المهرجانيّة إلى العقلية البنائية.
الفرح بعد التحرير حق طبيعي لكل مكلوم وهو شكل من أشكال استرداد الإنسان لصوته بعد طول صمت، وفي السنة الأولى تتزاحم المشاعر وتتسع مساحة الاحتفال وتصبح الساحات منصات فرح تعويضية بعد زمن طويل من القهر؛ غير أنّ استمرار الروح المهرجانية يستهلك طاقة المجتمع في دائرة عاطفية لا إنتاج فيها، ويستنزف الوقت ويحوّل الانتصار إلى صورة صاخبة بدل أن يكون مشروعًا بنائيًا هادئًا.
تحتاج البلاد اليوم ــ أكثر من أي وقت مضى ــ إلى التخفّف من الغلوّ الاحتفاليّ والانخراطٍ الواسع والجادّ في العمل داخل مفاصلها كلّها في تعليمٍ يعيد تشكيل الإنسان، واقتصادٍ يعيد الحياة إلى السوق، وإدارة تُحسن تنظيم الخدمات، وقضاء يرسّخ الحق ويرد الحقوق، وإعلام يرفع الذوق العام ويؤسس وعيًا مسؤولًا، وثقافة تصوغ العقل الجمعي من جديد، وفي هذا الطور يصبح العمل المتراكم أصدق من الاستعراض بحيث تتحول طاقة الفرح إلى مبادرات منظمة وإلى فرق تطوع مؤسسية، وإلى مشاريع خدمة تنخرط فيها الجامعات والأحياء ومؤسسات المجتمع ويُعاد توجيه الفعاليات كي تكون أبوابًا لمعرفة أو تدريب أو منفعة حقيقية.
المعلم الثالث: اجعلوا النظام البائد وراء ظهوركم
جرائم النظام تستحقّ أن تبقى في ذاكرة الأمة حاضرًا بوصفها درسًا تاريخيًا وتستحقّ اللّعن طول العمر، غير أنّ السنة الثانية تقتضي نقل حضوره من مساحة الشعارات اليومية إلى مكانه الطبيعي في المحاكم وفي هيئات التحقيق، وفي ملفات التوثيق، وفي أرشيف التاريخ، حيث مقام العدالة ورد الحقوق، ومقام حماية الذاكرة من التزوير.
إنّ الاستغراق الدائم في الهتاف حول النظام البائد في كل مناسبة يُبقي طاقة المجتمع معلّقة بالماضي أكثر مما يدفعها نحو المستقبل، بينما تقتضي المرحلة تحوّل إيقاع الشارع إلى مسارٍ أهدأ وأكثر إنتاجًا، فالمطلوب أن تُعاد صياغة الأهازيج والهتافات والشعارات بلغةٍ تحمل معاني البناء والنهضة وتستحضر أفق الغد، وتوجّه الوجدان العام نحو النهوض فيتحوّل الغضب أو الفرح من حالة انفعالية إلى جهدٍ منظّم يسعى بوعيٍ ومسؤولية إلى إقامة الدولة الراشدة.
المعلم الرابع: ترسيخ اللغة النظيفة وتجريم خطاب الكراهية.
الدولة تبدأ من اللغة لأن اللغة تصنع الوعي والوعي يصنع السلوك العام والسلوك يصنع المؤسسات، وفي زمن التحول تشتد المعارك على اللسان على شكل منشورات وتعليقات ومقاطع وسجالات ومناوشات تزرع الضغينة وتؤسس لانقسام طويل؛ فإنّ كلمة واحدة قد تشعل نزاعًا وتعبير واحد قد يلهب جرحًا ولهجة واحدة قد تصنع جدارًا بين أبناء الحي الواحد.
السنة الثانية تحتاج لغة عدل ووقار ورحمة وحكمة ومروءة وشهامة ورجولة وإيثار وسمو ورقيّ؛ لغة تفرّق بين النقد والتجريح وبين كشف الخلل وإهانة الأشخاص والطوائف والمجتمعات، بين الدفاع عن الحق وصناعة الأحقاد.
إنّ تجريم خطاب الكراهية ضرورة شرعيّة ووطنية وأخلاقية لأن الكراهية حين تتحول إلى خطاب يومي على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي تصير ثقافة وحين تصير ثقافة تتحول إلى سلوك وحين تصير سلوكًا تنتهي إلى عنف يهدم فكرة الدولة من جذورها.
ولذا فإننا أحوج ما نكون إلى تربية رقمية تُعلّم آداب الحوار وفن الاختلاف والانضباط في النشر وتحري الصدق، ومحاسبة مجتمعيّة تقودها مؤسسات تعليمية وإعلامية ودعوية ترفع قيمة الأدب وتفضح سموم التحريض،ً فالمجتمع الذي يتلوث لسانه تتلوث مؤسساته، والدولة التي يتهذب خطابها يتهذب مستقبلها.
هكذا تكشف السنة الثانية عن طورٍ جديدٍ في المسار؛ طورٍ يستقيم حين يهدأ العقل، وتُقدَّم الكفاءة، ويعلو البناء، وتُحفظ الذاكرة بالعدالة والتوثيق، وتُطهَّر اللغة لتغدو سوريا بيتًا صالحًا للحياة؛ عندها يتحوّل وجع الأمس إلى وعي، والوعي إلى دولة، وتغدو السنة الثانية عتبة نهضة راسخة لا تعرف الارتداد.
بقلم: محمّد خير موسى
المصدر: صحيفة الثورة السورية
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


