من أسباب الغلو عدم الجمع بين الأدلة

من أسباب الغلو عدم الجمع بين الأدلة

التصنيف: مقالات شرعية
الجمعة، 27 رجب 1447 هـ - 16 جانفي 2026
18

كان من سمات هذا الدين الذي جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ الاتساقُ والائتلاف، وتصديقُ بعضه بعضًا، وعدمُ تناقضه، قال الله تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]، قال السعدي: "فلما كان من عند الله لم يكن فيه اختلاف أصلا".
ولا يمكن لأحد أن يقف على حقيقة تلك السمات ويستشعرها إلا إذا تدبر القرآن، وقلَّب النظر في آياته، وتدبر سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولذا نجد أن الآية قد صُدرت بالحض على التدبر، ذلك أن العبد إذا ما تدبر كتاب الله تعالى؛ سيقف على حقيقة أن القرآن يصدق بعضه بعضًا، وكذا سنته صلى الله عليه وسلم، وإذا ما أعرض العبد عن التدبر وإمعان النظر في القرآن كله وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأخذ بعض الآيات والأحاديث وأسقطها على واقعة ما، أو استدل بها على أمر ما؛ فإنه سيختلف عليه الأمر، وسيضرب القرآن بعضه ببعض، وسيظهر أن هذا الدين متناقض غير متسق ولا مؤتلف، ومن ثم يكون قد وقع في الانحراف والغلو.
وإن الأدلة التي جاءت في القرآن والسنة متنوعة، فمنها العام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والنص والظاهر، وغيرها من أنواع الأدلة وعوارض الألفاظ التي جاء تفصيلها في كتب أصول الفقه، ولا بد من العمل على الجمع بين تلك الأدلة قبل إصدار الحكم على أمر ما، أو واقعة بعينها، فيقدم الخاص على العام، والمقيد على المطلق، والمبين على المجمل، والنص على الظاهر، وذلك هو عمل المجتهد، لا عمل عوام الناس.
وقد عرف العلماء الجمع بين الأدلة بعريفات كثيرة، منها تعريفهم له بأنه: "الائتلاف بين الأدلة الشرعية وتوافقها؛ وبيان أن الاختلاف بينها غير موجود حقيقة". ومن أمثلة الجمع بين الأدلة تقديمُ الخاص على العام، فمن ذلك ما جاء في زكاة الخارج من الأرض، قال صلى الله عليه وسلم: «فيما سقت السماء العشر» رواه البخاري. فهذا حديث عام يدل على أن مقدار زكاة ما خرج من الأرض مما سقته السماء العشر، سواء كان قليلًا ذلك الخارج أم كثيرًا. وثمة حديث آخر قال فيه صلى الله عليه وسلم: «ليس فيما أقل من خمسة أوسق صدقة» رواه البخاري. فهذا الحديث يبين أن الخارج من الأرض لا بد أن يبلغ خمسة أوسق -قرابة 652 كغ- حتى تجب فيه الزكاة، وما كان أقل من ذلك فلا زكاة فيه، فهذان حديثان متعارضان، ولا بد من الجمع بينهما حتى نخرج الحكم، فيقدم الخاص على العام، ويكون الحكم: "فيما سقت السماء العشر إن بلغ خمسة أوسق، وإن كان أقل من خمسة أوسق فلا زكاة فيه". وهكذا يقال في المطلق والمقيد، والنص والظاهر، وغيرها من الأدلة المتعارضة، وبذلك يظهر اتساق هذه الشريعة وائتلافها.
وقد كان الإعراض عن الجمع بين الأدلة، والاقتصار على بعضها، وضربِ القرآن بعضه ببعض؛ سببًا في انحراف بعض الفرق قديمًا، وسببًا في انحراف بعض الجماعات حديثًا أيضًا، فوقع كلاهما في الغلو الذي نهانا الله تعالى عنه، فشددوا على أنفسهم وعلى المسلمين، يتضح مثل ذلك إذا ما وقفنا على مثال واحد مما يبين اقتصارهم على بعض الأدلة وإعراضهم عن الجمع بينها وبين غيرها من الأدلة.
قال تعالى يتوعد العصاة والكافرين: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 81]، وقال تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} [النساء: 14]، وغيرها من آيات الوعيد كثير. وقال تعالى يعد عباده المؤمنين: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [النساء: 13]، وقال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69]، وغيرها من آيات الوعد كثير أيضًا.
فهذه الآيات آيات الوعد والوعيد ضلت فيها بعض الفرق قديمًا وحديثًا وسبب ذلك اقتصار كل فرقة منهم على جانب من هذه الآيات دون النظر إلى الآيات الأخرى، فنظرت الخوارج إلى آيات الوعيد وقالت: المعصية الواحدة كافية للخلود في النار، ولا بد من اجتماع الطاعات كلها للخلود في الجنة. ونظرت المرجئة إلى آيات الوعد وقالت: الإيمان هو التصديق، ولا يضر معه معصية، ولا بد من اجتماع المعاصي كلها في العبد حتى يحكم عليه بالخلود في النار.
وبمثل قول الخوارج قال بعض الغلاة المعاصرين، ومن ذلك قولهم: "إن كلمة عاصي هي اسم من أسماء الكفار، وتساوي كلمة كافر تمامًا، ومرجع ذلك إلى قضية الأسماء، إنه ليس في دين الله أن يسمى المرء في آن واحد مسلمًا وكافرًا"، ومن أدلتهم على ذلك عمومُ آيات الوعيد، كقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [الجن: 23]، ففهموا أن كل معصية داخلة في هذه الآية، وإذا كان لا يخلد في النار إلا الكفار؛ فإن العصاة كفار خالدين في النار أيضًا.
وما وقع أولئك بمثل هذا الغلو إلا لأنهم اقتصروا في أحكامهم على الاستدلال بعموم آيات الوعيد، ولم يجمعوا بينها وبين آيات الوعد، ولو أخذنا بمنهجهم في الاقتصار على جانب من الآيات؛ لقلنا إن كل طاعة داخلة في قوله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69]، وحكمنا لكل من وجدت منه طاعة بأنه مع النبيين ونحوهم دون النظر لمعاصيه، وهذا وذاك من أعظم أسباب التطرف والوقوع في الغلو.
وقد قال ابن تيمية: "لا ريب أن الكتاب والسنة فيهما وعد ووعيد...، والعبد عليه أن يصدق بهذا وبهذا لا يؤمن ببعض ويكفر ببعض، فهؤلاء المشركون أرادوا أن يصدقوا بالوعد ويكذبوا بالوعيد، والحرورية والمعتزلة أرادوا أن يصدقوا بالوعيد دون الوعد وكلاهما أخطأ، والذي عليه أهل السنة والجماعة الإيمان بالوعد والوعيد". وذلك بالجمع بين كل الأدلة التي جاءت في هذا وذاك.


بقلم: د. عبد المعين الطلفاح

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

تعريف بموسوعة مَعْلَمة القواعد الفقهية
الخميس، 16 صفر 1443 هـ - 23 سبتمبر 2021تعريف بموسوعة مَعْلَمة القواعد الفقهية
إعداد: د. إبراهيم محمد الحريري الخبير بمعلَمَة القواعد الفقهية (مجمع الفقه الإسلامي بجدة)...
الأخذ بالرخصة
الخميس، 16 صفر 1443 هـ - 23 سبتمبر 2021الأخذ بالرخصة
            كتبه: طه محمد فارس   الرخصة في اللغة: اليس...
(لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) قاعدة فقهية أم بدعة محدثة
الخميس، 16 صفر 1443 هـ - 23 سبتمبر 2021(لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) قاعدة فقهية أم بدعة محدثة
  التأصيل الشرعي: إنَّ مقولةَ ( لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) ليست مِن القواعد الفقهية، أو ال...