مختارات من تفسير (من روائع البيان في سور القرآن) (الحلقة 279)

مختارات من تفسير (من روائع البيان في سور القرآن) (الحلقة 279)

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، 1 صفر 1447 هـ - 25 جويلية 2025
146

﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [آل عمران: 31]

القسم الأول


السؤال الأول:
ما دلالة قوله تعالى في الآية ﴿قُلۡ﴾ ؟


الجواب:
قوله تعالى: ﴿قُلۡ﴾ دليل على أنّ ما سيأتي بعدها هو بلاغٌ من الرسول ﷺ عن ربه، بلاغٌ للآمر وللمأمور به .
والذين في قلوبهم زيغ يقولون: يمكن حذف كلمة (قل) من القرآن كما في أول سورة الكافرون والإخلاص وفي هذه الآية؛ لأنه لا فائدة منها، ونقول لهؤلاء: إنكم تريدون أنْ يكون الرسولُ قد أدى المأمور به ولم يؤد الأمر .


السؤال الثاني:
قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ﴾ هل موقع الحب في القلب ؟


الجواب:
1ـ الحُبُّ موقعه في القلب، ولأنّ القلب في الصدر فجاز إقامة الصدر مقام القلب كقوله تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس:5] وقوله: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:46].


2ـ إنك قد تحب الله لنعمه عليك، ولكنّ الله أيضاً يحب العبد الذي يعرف قيمة النعمة في التكليف؛ لأنّ نعمة التكليف تعود عليك بكل الخير عندما تؤديها، والله لا يكلف شططاً أو فوق الوسع.


3ـ لا بدّ أنْ نفرق بين الحب العقلي والحب العاطفي، فالعاطفي لا يقنن ولا قانون له، والإنسان يحب ابنه ولو كان صاحب عاهة أو قليل الذكاء وهو يحبه أكثر من ابن جاره ولو كان الأخير متفوقاً.

والمطلوب هو الحب العقلي وليس الحب العاطفي، وقد يتسامى الحب فيصير بالعاطفة. وهذه الآية هي الميزان التي يعرف بها من أحب الله حقيقة، ومن ادعى ذلك دعوى مجردة، فعلامة محبة الله اتباع محمد ﷺ.


4ـ انظر إلى ما رواه سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما قال رسول الله ﷺ: «فَوَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ، لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حتَّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْهِ مِن والِدِهِ ووَلَدِهِ» [صحيح البخاري 14] وقف سيدنا عمر عند هذه النقطة فقال: أمعقولٌ أنْ يكون الحبُ لك أكثر من النفس؟ إنني أحبك أكثر من مالي وولدي، إنما من نفسي؟ ففي النفس منها شيء.
وهكذا نرى صدق الأداء الإيماني من سيدنا عمر، فكررها النبي ثانياً وثالثاً فعرف سيدُنا عمر أنه قد أصبح تكليفاً، وعرف أنه لا بدّ أنْ يكون من الحب المقدور عليه، وهو حب العقل وليس حب العاطفة.
وهنا قال عمر: الآن يا رسول الله. فقال الرسول ﷺ: «الآن يا عمر» أي: كَمُلَ إيمانك الآن.


5ـ الحب يكون في الاتباع والسلوك ، وصدق مدعي الحب الاتباع، وكما قيل: إنّ المحبَ لمن يحب مطيع.


6ـ وهكذا نجد أنّ نِعَم الله هي: نِعَم الإيجاد ـ ونِعَم الإمداد ـ ونِعَم التكليف ـ ودليلُ صدق الحب هو قيام العبد بالتكليف .


7 ـ واعلم أخي المؤمن: أنّ حبك لله لا يقدم له ولا يؤخر، بينما حبُ الله لك يقدم ويؤخر.


8 ـ قال ابن رجب : من أحبَّ الله ورسوله محبةً صادقةً من قلبه، أوجبَ له ذلك أن يحبَّ بقلبه ما يحبه الله ورسوله، ويكره ما يكرهه الله ورسوله، فإنْ عمل بجوارحه شيئًا يخالف ذلك، دلَّ على نقص محبته الواجبة؛ فعليه أن يتوب من ذلك ويرجع إلى تكميل محبته الواجبة.


تتمة اللمسات البيانية للآية سوف تكون في الحلقة التالية بإذن الله تعالى .


بقلم: مثنى محمد هبيان

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، 6 شعبان 1440 هـ - 11 أفريل 2019مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، 5 شعبان 1440 هـ - 10 أفريل 2019مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، 3 شعبان 1440 هـ - 8 أفريل 2019مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...