المقدمة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقائد الغرِّ المحجلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد بن عبد الله، الذي بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح للأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد:
فإنه لا يخفى على أحد ما تكابده الأمة المسلمة في هذه الأعصار من المصائب والهزائم والنكبات والفتن.
بل إنك كلما طالعتَ أو سمعتَ الأخبار عبر أجهزة الإعلام، رأيتَ أو سمعت ما يسوؤك في أمتك، من ضعف قوتها، على كثرة عددها، ومن قلة حيلتها، على وفرة إمكاناتها، ومن تخاذلها أمام الطامعين في ثرواتها، أو المنتهكين لحرماتها، أو المغتصبين لديارها، أو الوالغين في دمائها، أو المجترئين على شريعتها ومسلَّماتها ومقدساتها، افتراءً أو استهزاءً، أو تزويرًا أو تدميرًا.
وإنك حيثما نظرت على ساحة هذه الأرض، من أقصاها إلى أقصاها، رأيت ما يؤلمك ويصدمك، من أقلية مسلِمة مقهورة، أو دولة مسْلِمة مأسورة، أو ثروة مسلِمة منهوبة، أو جماعة مسلِمة منكوبة.
وذلك على أيدي مختلِف الملل والنحل، لا تستثن اليهود ولا النصارى ولا الوثنيين ولا الملحدين، فكل هؤلاء على اختلاف أديانهم وألوانهم وألسنتهم، وعلى تباعد ديارهم وأقطارهم، وعلى تباين مصالحهم وأهدافهم، بعضُهم أولياءُ بعض في عداوة المسلمين.
هذا في الوقت الذي يَخذل فيه المسلمون بعضُهم بعضاً، ويُسْلِم بعضهم بعضاً، استجابة لِولاءات وتحالفات منكورة مريبة محرَّمة، تنطوي على مخالفة صارخة لقوله تعالى:
{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56)}. المائدة.
وقولِه صلى الله عليه وسلم، في حديث الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما، مرفوعًا: (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يُسْلِمه)(1) .
ولعل الأشد على الأمة من وطأة أعدائها وخذلان أبنائها، تلك الفتن الداخلية والنزاعات البينية التي ما تزال تثور هنا وهناك، على مستوى الجماعات أو على مستوى الدول، فتفضي إلى التهاجر والتدابر وفساد ذات البين، وإلى التراشق بالسباب والتهم، وقد تنتهي إلى إراقة الدماء واستباحة الحرمات، في تعطيل منكور للنهي الشرعي الجلي في قوله تعالى:
{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)}. الأنفال.
وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30)}. النساء.
وقوله صلى الله عليه وسلم، في حديث الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه، مرفوعًا: ( سِباب المسلم فسوق، وقتاله كفر )(2)
ولهذا، فإن الأمة اليوم أحْوجُ ما تكون إلى الموقف الجاد من أبنائها.
أحوجُ ما تكون إلى من يحمل لها همًا، أو يكشف عنها غمًا، أو يخفف عنها عبئاً، أو ينير له دربًا، أو يحفظ لها حقاً، أو ينافح عنها باطلاً، أو ينصر فيها معروفاً، أو يقمع فيها منكرًا، أو يدْعو لها دعوة، أو يكونُ لها في الخير قدوة.
وذلك لأن من أعظم الخـَطب على الأمة، أن يجتمع عليها كيد أعدائها، وخِذلان أبنائها.
فأما كيد أعدائها، فهو في هذه السنين الأخيرة، في أفحش وأجلى صوره عبر التاريخ، وإن لم يكن أجلاها وأفحشها على الإطلاق.
فقد دونت لنا أسفار التاريخ عبر عصور الإسلام الخالية، وقائع من المكر والكيد الكفري، أسفرت عن فظائع مروِّعة، تحسبها لِفظاعتها ضربًا من الخيال، ولكنها حقائق لا نزال نجد مرارتها كلما ذكرنا الاجتياح الصليبي لبيت المقدس، أواخر القرن الخامس الهجري، (492هـ )، والمقتلة الوحشية التي أوقعها الصليبيون في المسلمين.
وكلما ذكرنا الاجتياح التتري لبغداد وما سبقها وما تلاها من حواضر الإسلام، ومبلغ التقتيل والتدمير والإفساد الذي أحدثه جيش هولاكو في بغداد وحران والمَوصل وحلب ودمشق، وغيرها من مدن العراق والشام، وذلك في أواسط القرن السابع الهجري، (650هـ) وما بعدها.
وكلما ذكرنا الأندلس، فردوس الإسلام المفقود، ومحاكمَ التفتيش الصليبية السيئة الذكر، تلك المحاكم التي سحقت أمة بأكملها، ومحتها وغيبتها عن أرض الأندلس، ألغوا كلمة (المسلمين)، وسموهم (الموريسكوس)، وألزموا كل من بقي من المسلمين بالتنصُّر، بل وبتغيير أسمائهم الإسلامية، وهجر لغتهم العربية، تحت طائلة التقتيل والتهجير والتعذيب الرهيب، الذي من أشهر صوره أنَّ من اكتشفوه مسلمًا أحرقوه حيًا، كان ذلك في القرن العاشر الهجري، حوالي: (1500) للميلاد.(3)
وكذلك كلما ذكرنا البطش الروسي القيصري بالمسلمين، وبعده البطش الشيوعي البلشفي، الذي شهده القرن الماضي، والذي حاول بالحديد والنار والدم والهدم، استئصال الإسلام من دُوَلٍ بأكملها، وهي دُوَل ما يُعرف بالاتحاد السوفييتي السابق، التي أُزهِقت فيها أرواح الملايين من رجالها ونسائها، وشبابها وشيبها، من أجل إخضاعهم لاستعماره، وحملهم على إلحاده.
أجل، إن الكيد الذي تـُكاده أمة الإسلام اليوم، والنـَّيل الذي يُنال منها، ليس أثقل وأعظم ما مرَّ بها على الإطلاق، ولكنه من أثقله بلاءً وأبشعه ظلمًا، وأعظمه أثرًا، نظرًا لفاعلية السلاح الحديث الذي أعْـتدَه لها أعداؤها، ونظرًا لاتساع أذى ذلك السلاح وتنامي ضرره حالاً ومآلاً.
فكيف إذا أضيف إلى ذلك خِذلان الأمة من قبل أبنائها، وهي في هذا الموقف الحرج ؟!.
وذلك أننا نجد في أولئك الأبناء من ينظر إلى مصائب الأمة ورزاياها الثقال نظر المتفرج، أو المراقب المحايد تمام الحياد، الذي يتحدث عن الظلم والبطش الذي يقع على أهل ملته، أو المواجهة التي تخوضها أمته، وكأنها مواجهة بين ملتين في أقصى الأرض، أو على كوكب آخر غير الأرض، وكأن الإسلام ليس ملته، وكأن المسلمين ليسوا أمته، وكأن داره وماله وأرضه وعرضه وأهله ونفسه، في حصن حصين من أن يكونوا من وقود هذه المواجهة، أو من ضحايا تلك الفتنة، فهو مقيم على لهوه وغفلته ومنكراته، لا تتحرك منه شعرة من رحمة، ولا شعور إلى نصرة، ولا عزيمة على إنابة، ولا همة إلى خدمة ولو بكلمة أو دعاء.
وقد تـَحمد لهؤلاء حيادهم وغفلتهم وحالهم - على نكارته - إذا ما قارنتهم بفريق آخر من أبناء الأمة، ممن تنكروا لأمتهم، وقلبوا لها ظهر المِجَنّ، وجردوا من أنفسهم ألسنة تنطق بكل ما يريد أعداء الأمة أن يقولوه، ومعاولَ تهدم في الأمة كل ما يريد الكائدون أن يهدموه.
وإنك لتعرفهم في لحن القول، بل في صريح القول وفصيحه، الذي تراه وتسمعه في الحوارات والمناظرات والتصريحات، أو تقرؤه في المقالات والتعليقات والبيانات، حيث لا تكاد تصدق نفسك وأنت ترى وتسمع التصويب الصريح لعدوان الكافرين على الأمة، والتحليل السياسي الإيجابي لصالح ظلم الظالمين وإجرام المجرمين، والتخطئة الصريحة والقبيحة والمفضوحة، لدفاع المدافعين، وذود الذائدين، وجهاد المجاهدين من أبناء هذه الأمة.
إن ذلك مما يزيد في المأساة، ويضاعف وقع البلاء وحجمه.
ومن أجل أن يكون كل فرد في هذه الأمة مكسبًا لها لا عبئاً عليها، ومن أجل أن يكون كل منا سلاحًا بيد أمته لا معولاً بيد أعدائها في أزمان الزلازل والمصائب والفتن، فإننا نتناول، مستعينين بالله، بيان موقف المسلم من رزايا الأمة ومن الفتن المدلهمة التي يرقق بعضها بعضاً.
نحاول أن نجيب فيه من يتساءل عما ينبغي عليه في مثل هذه الأحوال والمُلِمّات، وذلك بغية أن يكون المسلم في موقفٍ عدلٍ، منضبط بالشرع، متـَّزن بين الإفراط والتفريط، لا يجنح تفريطاً فيضيع حقوق الله ويخذل الأمة ويكون من أسباب استجلاب سخط الله، ولا يجنح إفراطاً فيكون ضحية اندفاع متهور، أو حماس غير منضبط، فيـَلِج أبوابًا من الباطل بدعوى نصرة الحق، ويخالف مقتضى الدين بدعوى الحرص على الدين.
وقد جاء هذا البحث في تمهيد و فصلين وخاتمة، وقد اندرج تحت كلٍ من الفصلين مباحث وعناوين فرعية، بحسب ما يقتضيه المقام.
والله أسأل أن يرزقني في ذلك الإخلاص والسداد، وأن ينفعني به والمسلمين، وأن يَعُدَّه من عُدَّتي ليوم الدين.
والحمد لله رب العالمين.
التمهيد
نبوءة ونصيحة:
جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم، أحاديث كثيرة، يذكر فيها ما يكون في الأمة من الفتن في مستقبل الزمان، وقد اهتم بهذا الصنف من الحديث، المحدثون وغيرهم من علماء الأمة، وذلك لِما تحمله هذه الأحاديث من هدي سديد وتوجيه رشيد لما يجب أن يكون عليه المسلم إذا عصف البلاء أو هاجت الفتنة، ولِما في هذه الأحاديث من معالم النبوة ودلائلها، وذلك أن الوقائع والأحداث ما تزال تقع مطابقة لما سبق به الخبر النبوي، شاهدة له صلى الله عليه وسلم بما شهد له ربه: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى (4)} [النجم]
ومن مظاهر عناية العلماء بأحاديث الفتن، أن جُلّ المصنفين في الحديث، الذين رَتـَّبوا الأحاديث على أبواب العلم، عقدوا أبوابًا خاصة في مصنفاتهم لأحاديث الفتن، كما هو صنيع البخاري رحمه الله، الذي جعل الكتاب الثاني والتسعين من كتب الجامع الصحيح، البالغة سبعة وتسعين كتابًا، بعنوان: كتاب الفتن، ثم عقد تحت هذا الكتاب ثمانية وعشرين بابًا، اشتملت تلك الأبواب على أكثر من مائة حديث عن مختلف الفتن التي تكون بين عصر النبي صلى الله عليه وسلم وبين الساعة، وآخرها فتنة يأجوج ومأجوج.
وعلى منوال البخاري نسج أصحاب الصحاح والسنن وغيرهم، فتجد الأبواب الخاصة بأحاديث الفتن عند الترمذي وأبي داود وابن ماجه، والبغوي في شرح السنة، والحاكم في المستدرك، رحمهم الله جميعًا. وكذلك صنع النووي رحمه الله تعالى في شرحه لصحيح مسلم، حيث وضع عناوين الكتب والأبواب للصحيح، وجعل الكتاب الثاني والخمسين من كتب صحيح مسلم بعنوان: (كتاب الفتن وأشراط الساعة) لأن المعلوم أنّ صاحب الصحيح مسلم بن الحجاج رحمه الله، وإن كان قد جعل الأحاديث مرتبة على أبواب العلم، فإنه لم يذكر شيئا من أسماء الكتب أو تراجم الأبواب.
ولسنا بصدد استعراض أحاديث الفتن التي حوتها كتب الصحاح والسنن، ولكننا نكتفي بحديث وأحد يشير إلى ما نحن بصدده، على سبيل التمثيل والاعتبار.
روى مسلم في صحيحه، بسنده إلى التابعي الثقة: عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة قال: دخلت المسجد، فإذا عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، جالس في ظل الكعبة والناس مجتمعون عليه، فأتيتهم فجلست إليه.
فقال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فنزلنا منزلاً.
فمِنا مَن يُصلح خباءه، ومنا من ينتضل(4) ، ومنا من هو في جَشره(5) ، إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصلاة جامعة. فاجتمعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإنَّ أمتكم هذه جُعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، وتجيء فتنة فيرقق بعضها بعضًا، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مُهلكتي. ثم تنكشف. وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هَذه. فمن أحَبَّ أنْ يُزحزح عن النار ويُدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأتِ إلى الناس الذي يُحِب أن يُؤتى إليه. ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر). فدنوت منه فقلت: أنشدك الله آنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيديه وقال: سمعته أذناي ووعاه قلبي(6) .
قلت في نفسي، وأنا أقرأ في هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: (وتجيء فتنة فيرقق بعضها بعضًا، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مُهلكتي. ثم تنكشف. وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه.) قلت في نفسي: سبحان من عَلمَك يا رسول الله ما لم تكن تعلم، وأطلعك على ما شاء من غيبه.
وكأنه صلى الله عليه وسلم، ينظر إلى ما وراء أسجاف الغيب وحجبه، ليصف حالنا اليوم، حال الأمة التي تُطحن برحى البلاء طحناً، وترزح تحت كابوس الفتن المتتابعات التي يرقق بعضها بعضاً، كما حدَّث الصادق المصدوق، صلى الله عليه وسلم.
ومن معاني قوله: (فيرقق بعضها بعضاً): أي يصيِّر بعضها بعضاً رقيقاً، أي خفيفاً.
بمعنى أن الفتنة التالية لِعِظمها تجعل الأولى خفيفة بالنسبة لما بعدها، وإن كانت في ذاتها ثقيلة.
أجلْ، إن مما يستلفت السامع والناظر، والقائم والقاعد، والعالم والجاهل والصغير والكبير، ما ينزل بهذه الأمة من المصائب، وما يتهددها من البلاء الثقيل الهائل الذي لم ينزل بعد، وما يتوالى فيها من الفتن التي تجعل الحليم حيران.
وهي فتنٌ تتمثل في ذروتها، في ذلكم البطش الكفري العسكري الشرس، الذي ما يزال يحشد كِبَره وكِبْره، وخيله وخُيلائه، ثم يضرب هنا وهناك في أمة الإسلام، بلا ذرة من رحمة ولا بقية من إنسانية، من فلسطين إلى بلاد الأفغان، ومن الشيشان إلى الصومال، ومن البوسنة إلى كشمير، ومن العراق إلى لبنان، إلى غير ذلك من بلدان الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها.
ولو استوقفت اليوم من أبناء المسلين، صبيًا يافعًا، أو شيخاً ثمانينيًا، أو شابًا أو كهلا، وسألت كلاً منهم عما عايشه بنفسه، خلال عمره الوجيز أو المديد، من المصائب المزلزلة، والمذابح المروعة التي أثخنت في المسلمين لأنهم مسلمون، لوجدت أنَّ كلاً منهم قد عاصر وأدرك من المجازر ما يشيب له الصغار ويَصْعق له الكبار، ناهيك عما لم يدركوه مما أدركه آباؤهم وأجدادهم وأسلافهم، أو ما سيدركونه في مقتبل أيامهم، أو سيدركه أولادهم وأحفادهم.
أجل إنه لمن علامات النبوة، أن تجد خبر هذه المآسي والبلايا، في ذلك النص النبوي الصحيح: (وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها).
وإزاء هذا البلاء الشديد القائم، والأشد القادم، لا بد للمسلم من موقف، لا بد للمسلم الجاد أن يواجه نفسه بهذا السؤال: ما الموقف الواجب عليَّ في هذه الفتنة، أو تلك المصيبة، ليكون إسهامًا مني في نصرة الأمة ودرء الضرر عنها؟
وقد أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم، في هذا الحديث إلى الغاية الأسمى التي يجب على المسلم أن يجعلها نصب عينيه، يسعى إليها من خلال أي موقف يتخذه إبان الفتنة، قولياً، أو قلبياً، أو عملياً، ألا وهي النجاة في الآخرة، أيَّاً كانت التكلفة.
وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم: (فمن أحَبَّ أنْ يُزحزح عن النار ويُدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأتِ إلى الناس الذي يُحِب أن يُؤتى إليه.....) الحديث.
وبناء على هذا الحديث ونحوه من النصوص والتوجيهات الشرعية، فإننا نحاول إيضاح عناصر الموقف الإيجابي الواجب على المسلم اتخاذه عندما تجتاح الأمة المصائب أو تحتدم الفتن، سعياً إلى تحقيق تلك الغاية العظيمة.
وللحديث تتمة في المقالة التالية إن شاء الله.
هوامش:
(1) البخاري، كتاب المظالم، باب: لا يظلم المسلمُ المسلمَ ولا يسلمه. ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب: تحريم الظلم.
(2) البخاري، كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر. ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان قول النبي صلى الله عليه وسلم سباب المسلم فسوق.
(3) انظر كتاب: المسلمون في أوربا وأمريكا، لعلي المنتصر الكتاني، الجزء الأول، ص182
(4) هو من المناضلة، وهي المراماة بالنشاب.
(5) هو بفتح الجيم والشين، وهي الدواب التي ترعى وتبيت مكانها.
(6) مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب الوفاء ببيعة الخليفة الأول.
بقلم: إبراهيم يوسف منصور
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


