من مقالات فضيلة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة النادرة التي وقفت عليها في مجلة" صوت الإسلام" التي أصدرها طلاب الثانوية الشرعية في حلب سنة 1375هـ - 1956م، هذه المقالة بعنوان:" بين اللب والقشور"، وهي من جملة المقالات التي قام بجمعها الأخوان الكريمان: سلمان عبدالفتاح أبوغدة ومحمد عيد المنصور وصدرت في 446 صفحة :
بين اللب والقشور
للأستاذ عبد الفتاح أبو غدة
"إنَّ من أعظم المصائب التي يُصاب بها المجتمع، أن تنقلب الحقائق في نظر أفراده، فيرى الحسن سيئًا، والسيِّئ حسنًا، والمعروف منكرًا، والمنكر معروفًا... ولا نكون مبالغين إذا قلنا: إن مجتمعنا المسلم الحاضر قد أصيب بهذه الداهية النكراء، فانقلبت حقائق الإسلام ومحاسن التشريع في نظر كثير من أبنائه إلى مساوئ يجب التخلص منها، وينبغي الابتعاد عنها، ولن نذهب بعيدًا أو نقول غريبًا إذا قلنا: إنَّ الصلاة التي هي أول ركن من أركان الإسلام بعد الشهادة، والتي هي عماد الدين ودعامته، قد أصبحت عند كثير من هؤلاء الذين لا يزالون ينتسبون إلى الإسلام، توافه قديمة، وأعمالًا جوفاء، وجودها لا ينفع، وتركها لا يضر، بل يزعم بعض هؤلاء أنَّ الصلاة ليست إلَّا عملًا فرديًّا خاصًّا، يقوم به الإنسان بينه وبين خالقه، فإن شاء فعله، وإن شاء تركه. وليس لهذا العمل من فضل، أو فائدة في المجتمع وواقع الحياة.
والحق أن هؤلاء الذين يزعمون هذا الزعم قد فقدوا منطقهم، وضلُّوا تفكيرهم، وأخطئوا خطًأ مبينًا، فقد حكموا على الله - بزعمهم هذا - بالعبث في تشريعه، والجهل في فرائضه وأحكامه، فما شرع الله تعالى فريضة من الفرائض ولا أوجب وجيبة من الواجبات رهقًا للعباد، أو إعناتًا لهم، أو نفعًا لنفسه أو تعزيزًا لكيانه، إنما شرع هذه العبادات مفروضها ومسنونها لنفع الناس في دنياهم وأخراهم، وجلّ سبحانه أن تنفعه طاعة الطائعين، أو تضره معصية العاصين، وهو القائل في الحديث القدسي: «يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله. ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه"(1).
إذن هذه العبادات ما شرعها الله إلا لخير العباد وفائدتهم، وصلاح حياتهم وآخرتهم، فالصلاة – مثلًا – رابطة بين العبد وربه، وصلة بين الإنسان وأخيه الانسان، وملتقى إسلامي متجدِّد، وهي الى جانب ذلك: مهذِّبة للنفس، منقية للسلوك، مجدِّدة – بالوضوء – للنظافة، باعثة على فعل الخير وترك المنكر، وهذه المنافع كلها تعود على مجتمع الإنسان بأطيب الثمرات وأطيب الآثار.
وكذلك الصوم، فإن فيه الفوائد المثلى، والحكم الجُلَّى، فهو عبادة للخالق سبحانه، وتهذيب للجوارح والأطراف، وتطهير للنفس والقلب معًا، ثم هو إلى جانب ذلك مصحَّة للجسم بهذه الحمية السنوية، ومذكِّر للغني بأخيه الفقير الذي هذه صفته، ومخفِّف من سلطان الحياة المادية، ومنشىء في الإنسان قوة الإرادة ومضاء العزيمة، فهذا الصائم – وقد عزم الصومَ عن الطعام والشراب وسائر المفطرات – يجد من حوله كل طعام لذيذ، وكل شراب سائغ وشهوة مباحة، في خفاء وفي علن، وهو مع هذا كله يعتصم بالإمساك عن تناولها، استجابة لخالقه، وقيامًا بدينه، واستمرارًا فيما عزم عليه من خير، فما أعظمها فيه قوة إرادة، ومتانة همة، واستمساكًا بوفاء الحق الذي عليه، ولو كان فيه الجوع المؤلم، والعطش الشديد.
فهل بعد هذه الفوائد القائمة في الصلاة والصوم وغيرهما ممَّا شرع الله، يصحُّ لزاعم أن يقول: إن العبادات لا يستفيد منها المجتمع، وإنها قاصرة وخاصَّة بمن يقوم بها، لا تُجْدي بلاده شيئًا، ولا تسدي إلى أمته خيرًا؟! إن من يزعم ذلك يبرهن – بزعمه هذا – على أنه منسلخ من الإسلام وتشاريعه السمحة العظيمة، وإنما أراد أن يخفي تنكُّره للإسلام وكراهيته له.
أخبرني بربك عن الصلاة وقد نهت السارق عن السرقة، ومنعت الزاني من الزنى، وحجزت المُرابي عن الربا، وردَّت المقامر عن القمار، وكفَّت بصر الإنسان عن نظرة ريبة، وبعثت في العامل الأمانة وترك الخيانة، وعلمت فاعلها التواضع والنظام، والارتباط بالقائد الإمام، والمحافظة على الوعد بوقته، والمرابطة مع الله تعالى، والمثول بين يديه للمحاسبة والمناجاة الساعة بعد الساعة، من يستفيد منها غير المجتمع؟ ومن يُصْلَى بجرائم تاركها المرتكب لهذه المساوئ والمخازي إلا المجتمع؟
فدعوى أن الصلاة - ومثلها غيرها من الفرائض - إنما هي عبادة الغاية منها نظافة القلب وتنقية الضمير لا أكثر، فمن كان نظيف القلب تقي الضمير، فلا عليه أن لا يصلّي ولا يصوم ولا يحج ... إذ المدار على طيب القلب، وحُسن العمل، وما سوى ذلك فقشور وفضول ... دعوى كاذبة باطلة أثيمة، لا تصدر من قلب فيه ذرَّةٌ من إيمان، ولا قليلٌ من إنصاف، كيف وقد رتَّب الله على فعل الصلاة فعل غيرها، فمن فعلها فعل ما سواها، فقال سبحانه في مفتتح كتابه المجيد: {ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ} [البقرة: 3]، وقال النبي ﷺ : " بين الرجل والكفر ترك الصلاة"(2)، فبيَّن أنَّها الحاجز الواقي من الكفر وأسبابه.
ويُعجبني أن أُورد في هذا المقام جواب طالب ابتدائي، قاله لمعلمه وقد سأله: يا سيدي، لماذا لا تصلي؟ فأجابه المعلم: يا بني، إنَّ الغاية من الصلاة صلاح القلب، وسلامة الضمير، وأجدني سليم القلب، طيب الضمير، فقال له التلميذ على البديهة بكل براءة ووداعة: إذن هل كان سيدنا أبو بكر الصديق يصلِّي لأن قلبه فاسد وضميره مظلم؟ فبُهت المعلم، وسكت تحت الخجل والسقوط من أعين التلاميذ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)رواه مسلم في البر والصلة (2577)، وأحمد (21367)، عن أبي ذر.
(2)رواه مسلم في الإيمان (82)، وأحمد (15183)، عن جابر بن عبد الله.
بقلم: عبد الفتاح أبو غدة
عناية: مجد أحمد مكي
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين