السنة القمرية أو أختها الشمسية كلتاهما يستعان بها على التأريخ للأحداث وتنسيق الأعمال بتوزيعها على اثني عشر شهرا، ولكل من السنتين وظيفة إدارية بذلك، بعيدا عن الاختلاف الحضاري والثقافي بين الأمم، ولقد استقر الأمر في بلادنا على اختيار العدّ الشمسيّ لأيامنا وشهورنا، وهو أمر ليس بالضرورة معبّرا عن دِين أو معتَقد إلا بقدر ما يترجم أحدنا ذلك بأفعاله ومنطلقاته العملية، وما دام الأمر يخصّ الإدارة ولوازمها فإن الاهتمام بانقضاء عام وقدوم الذي بعده لا يعدو عند أهل العقل والبصيرة من أتباع محمد عليه الصلاة والسلام أن يكون "احتفالا" بانقضاء بعض العمر وسقوط أوراق شجرته والتدبر فيما يمكن أن يكون باقيا من أوراق على أغصانها .
الوقت هو حياتنا، فهل يفرح عاقل بقرب جسده اليوم، "جثمانه" لاحقا من شفير قبر هو صندوق أعماله؟!
الضجة السنوية حول جواز الاحتفال برأس السنة من عدم الجواز يجب أن لا تخترق حدودنا نحن المسلمين فيما لا نرى فيه أكثر من أوراقِ مفكّرة لا تملك قدسية ولا تعني أكثر من قيامها بوظيفة عدّ الوقت، فانظر تحديدا إلى أيام عام خمسة وعشرين المنصرف هل تستحق الفرح برحيلها لأكثر من كونها ضيفا ثقيلا حلّ فقَدَت الأمة فيه الكثير من مروءتها وهي توقّع على آخر ورقة من رزنامته الثقيلة التي شهدت قتل ألوف لا تحصى وتشريد أضعافها وهدم جدُر الستر الذي كان يحوي بقية أسمال شعب قرر أن يكون فداء لأمّته في مواجهة مصيرية لم تضع أوزارها بعدُ حتى يتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود من معالم يوم خلاصها .
إن الإنسانية المرهقة بحمل جرائر فجّارها باتت اليوم تستنكر أي معنى من معاني الاحتفال على لسان بابا الفاتيكان ورؤوس المسيحية وتعدّ ذلك تفاهة لم يدعُ إليها الإنجيل، فهل دعا إليها القرآن إذن يا مسلمون؟!
على رأس السنة الإدارية كل الذي يعنينا أن تكون إدارتنا بخير في قادم الأيام، وأن يستدرك العابثون بنا ما فاتهم في تقصيرهم من تأمين لحياتنا اليومية، فطرقاتنا خرّت ساجدة أمام هطولات طال انتظارها في حين يشكو مسؤولنا عطش البلد ويقطع الماء عن الأحياء ليرشّد استهلاكها، وتقرير ديوان المحاسبة يحمل أثقالا تنوء بالعصبة أولي القوة، ورواتب التقاعد في صندوق الضمان لا يملك تفسير اختلالها بين جائع ومتخم إلا منجم كذاب.
سنتنا الإدارية تصيح بنا في أول يوم من أيامها بأن الفرح لا يكمن في إضاءة أبراج ولكن في الإفلاح بإمساكها أن تقع على رؤوس بانييها من جرّاء سخط الله على استشراء الظلم واستباحة الأنفس والأموال والأعراض وإراقة شرف الأمة على مذبح التملق للسياسة الصهيونية العالمية في محاولة لإعادة ترتيب الأوراق لصالح الفجور والفجار.
السنة الإدارية تصيح بنا اليوم ألا نفسد الإدارة بالسياسة ولا بنظريات الأمن التي لم تنفع منظّريها فكيف تنفع مقلّديها ؟!
كل عام وإدارتنا بخير، وإنساننا الذي يرعى الإدارة الراشدة بخير، وبُعدا لقوم لا يعقلون.
بقلم: أحمد داود شحروري
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


