التغيير
إذا عرفنا الآن سبب هذا البلاء الداهم، والضر القائم والقادم الذي يتهدد أمة محمد صلى الله عليه وسلم، السبب الذي انجلى لنا في الربط بين المصائب والفتن التي تصيب الأمة، وبين الإعراض عن الله سبحانه، والزهادة في دينه، فما الخطوة التالية؟
إنها التغيير، وهو العنصر الأهم في العناصر التي تشكِّل موقف المسلم من رزايا الأمة.
إذ لا يكفي أن يهتم المسلم ويغتم لأمته، ويُشخِّص الداء ويصف الدواء، ثم يقف عند ذلك لا يجاوزه، ولا يعمل على العلاج والتغيير.
وآليات التغيير متعددة متنوعة، إنْ كان على مستوى الفرد أو كان على مستوى الأمة، أو على حسب الميدان الذي يُراد فيه التغيير.
وبيان ذلك عبر المباحث الآتية:
المبحث الأول: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وهو من أهمها وأبلغها خطرًا وأثرًا، وهو واجب ديني وشرعة شريفة جعلها الله تعالى صِمام الأمان في المجتمع والأمة.
وحتى تُحقق هذه الشرعة العظيمة حميد غاياتها، وتؤتيَ يانع ثمراتها فإننا نتناولها من خلال الوقفات الآتية:
الوقفة الأولى: ابدأ بنفسك.
ولا بد من التعريج على هذه القضية، والتحريج من مخالفتها وتجاوزها، ألا وهي أن يكون المسلم مُؤْتمِرًا بما يأمر به من المعروف، منتهيًا عمَّا ينهى عنه من المنكر.
فليبدأ كل منـّا بنفسه، ولينظر في أفعاله وأقواله ونيّاته وعاداته وتقلباته في الخلوة والجلوة والليل والنهار وسائر الأحوال، وليستدرك ما قصّر فيه من المعروف، وليجتنب ما قد يلابس أحواله من المنكر، فإن هذا له الأولوية الشرعية والمنطقية.
أما الأولوية الشرعية. فلأن الله تعالى قدّمه في سورة العصر فقال سبحانه: {إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}، أي بدؤوا بأنفسهم. ثم ثنـّى بقوله: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}.
ولقد وبّخ الحق سبحانه بني إسرائيل فقال: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون}. البقرة (44).
نقل الحافظ ابن كثير رحمه الله، في تفسيره، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه جاءه رجل فقال: يا ابن عباس، إني أريدُ أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر. قال: أبَلغتَ ذلك؟ قال: أرجو. قال: إن لم تخش أن تفتضح بثلاث آيات من كتاب الله فافعل. قال: وما هنّ؟ قال: قوله تعالى:
{أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم}(1)، أحْكمتَ هذه؟ قال: لا. قال: فالحرف الثاني؟ قال: قوله تعالى: {لِمَ تقولون ما لا تفعلون * كبُر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون}(2)، أحْكمتَ هذه؟ قال: لا. قال: فالحرف الثالث؟ قال: قول العبد الصالح شعيب عليه السلام: {وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح}(3)، أحكمت هذه الآية؟ قال: لا. قال: فابدأ بنفسك.(4) اهـ
وأمّا الأولوية المنطقية، فلأنّ أمْرك غيرك بما لا تأتيه، ونهيَك غيرك عما تأتيه، تناقض مقيت ممجوج بالبداهة، فلا يُرْجى له قبول ولا نفع، ولكنه موجب للمقت الكبير من العليم الخبير، كما تقدم في آية الصف.
وفي الصحيحين، واللفظ للبخاري، عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يُجاء بالرجل يوم القيامة فيُلقى في النار، فتندلق أقتابه(5) في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فلانُ ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنتُ آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه).(6)
ومن بديع شعر الحكمة في هذا المعنى، قول القائل(7):
يا أَيُّها الرَجُلُ المُعَلِّمُ غَيرَهُ *** هَلا لِنَفسِكَ كانَ ذا التَعليمُ
تَصِفُ الدَّواءَ لِذي السَّقامِ وَذي الضَّنا *** كيما يَصحّ بِهِ وَأَنتَ سَقيمُ
وَتَراكَ تُصلِحُ بالرشادِ عُقولَنا *** أَبَداً وَأَنتَ مِن الرَّشادِ عَديمُ
فابدأ بِنَفسِكَ فانهَها عَن غَيِّها *** فَإِذا اِنتَهَت عَنهُ فأنتَ حَكيمُ
فَهُناكَ يُقبَلُ ما تَقولُ وَيُهتَدى *** بِالقَولِ منك وَينفَعُ التعليمُ
لا تَنهَ عَن خُلُقٍ وَتأتيَ مِثلَهُ *** عارٌ عَلَيكَ إِذا فعلتَ عَظيمُ
فالمرحلة الأولى من التغيير- وهو من أهم عناصر موقف المسلم من مصائب الأمة - أن ينظر المسلم في أمر نفسه ومن له عليه ولاية، فيصلح من أمر دينه، ويُقوّم عاداته وتصرفاته على وفق دين الله سبحانه.
إن كان من عادته التقصير في شيء من أمر الصلاة أو جَمَاعتها، أو كان من عادته أن يتعامل بالربا ويجترئ على المكاسب المحرمة والمشتبهة، أو كان من عادته أن يقلب الطرف أو يمتع السمع فيما حرم الله، أو كانت له هفوات في الخلوات، أو فجَرات ومنكرات في الأسفار، أو كان يعرف من نفسه الخيانة لشريكه في المال، أو الإساءة لجاره في السكن، أو العقوق لوالديه، أو القطيعة لرحمه، أو التفريط في القِوامة والرعاية للأهل والولد، فليُبَادرْ إلى إصلاح شأن نفسه، وليجعل من مثاليته في علائقه وتعامله وسائر شؤونه، دعوةً إلى الخير غيرَ معلنة، وتمهيدًا للدعوة المعلنة إلى الخير، إحياءً لشرعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الوقفة الثانية: تنشيط لا تثبيط.
ونحن إذ ندعو إلى شعار [ابدأ بنفسك] ننبه إلى أنه لا يصح أن يُفهم هذا الشعار على أنه ذريعة للتثبيط عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنما المقصود تنشيط الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر إلى حسن الالتزام، وحمل النفس على التغيير إلى الأحسن، وبين هذين الفهمين بَون كبير.
فإن المسلم إذا فهم الفهم الواهم، ورأى أن وجود نقيصة دينية فيه، يمنعه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد جرّ عليه ذلك الفهمُ سيئتين:
الأولى: أنه يكون قد عطل شرعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي ذلك التعطيل ما فيه من أسباب النقمة وحجب النعمة.
الثانية: أنه أصبح لا يرى ما يحفزه على ترك تلك النقيصة، لأنه لا ينهى عنها غيرَه، فليس لأحد عليه فيها ملامة.
وأما إذا فهم الفهم الصائب، ورأى أن قيامه على الأمر والنهي يقتضيه أن يكون أكثر ورعًا وتحريًا للخير، وتجافيًا عن الشر والشبهة، فإن ذلك يجمع له حسنتين:
الأولى: أنه يكون قد أحيا شرعة عظمى من شرائع الدين، ألا وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الثانية: أنه يجدُ في أمره الناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر، ما يحفزه على التغيير الإيجابي المستمر، فيحرص على التنزه عن النقائص والتحلي بالكمالات، اتساقاً مع مقتضى الشرع والمنطق كما سبق.
وإلاّ فلو كان لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من لا يفعل معصية، لكان ذلك شرطًا تعجيزيًا مؤدَّاه أن لا يكون هناك أمر بمعروف ولا نهي عن منكر، وذلك من منطلق أن كل بني آدم خطّاء، كما جاء في حديث الترمذي وأحمد وغيرهما.
قال المُناوي في فيض القدير: قيل للحسن: فلان لا يعظ، ويقول: أخاف أن أقول ما لا أفعل. قال: وأيُّنا يفعل ما يقول؟ ودّ الشيطان لو ظفر بهذا فلم يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر. اهـ
ثم يقول المُناوي: ولو توقف الأمر والنهي على الاجتناب، لرُفع الأمر بالمعروف، وتعطل النهي عن المنكر، وانسد باب النصيحة التي حث الشارع عليها، سيَّما في هذا الزمان الذي صار فيه التلبس بالمعاصي شعار الأنام، ودثار الخاص والعام.(8) اهـ.
وللحديث تتمة، ونبدؤه بالوقفة الثالثة في المقالة القادمة إن شاء الله.
هوامش:
(1) البقرة: 44
(2) الصف: 2-3
(3) هود: 88
(4) تفسير ابن كثير، سورة البقرة، الآية: 44
(5) الأقتاب: الأمعاء.
(6) البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة النار، وأنها مخلوقة. ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله.
(7) هو أبو الأسود الدؤلي. وقيل غيره.
(8) فيض القدير للمُناوي، جـ5 ص522
بقلم: إبراهيم يوسف منصور
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


