موقف المسلم من مصائب الأمّة (8)

موقف المسلم من مصائب الأمّة (8)

التصنيف: فقه الدعوة
الجمعة، 27 رجب 1447 هـ - 16 جانفي 2026
15

الوقفة الخامسة: غيظ الشيطان والمنافقين.
إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أغيظ شيءٍ للشيطان وأوليائه من المنافقين والفاسقين الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا.
ولئن أخبرنا الله تعالى في الآية التي تقدم ذكرها من سورة التوبة، أن المؤمنين والمؤمنات {بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}، فقد أخبرنا سبحانه، في السورة ذاتها بنقيض ذلك عن المنافقين والمنافقات، فقال:{الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}. التوبة (67).

ولئن كان المؤمنون والمؤمنات يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر مؤتسين بإمامهم ووليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن المنافقين والمنافقات يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف مؤتسين بإمامهم ووليهم إبليس وذريته من الشياطين الضالين المضلين.
وقد حذرنا الله تعالى من تلك القدوة المضلة، والتبعية المهلكة حين قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ}. النور (21)

فها أنت أيها المسلم مدعوٌّ إلى الانحياز إلى أحد فريقين، فريق المؤمنين الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، مقتدين برسول الله صلى الله عليه وسلم، أو فريق المنافقين والفاسقين الذين يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، مقتدين بالشيطان الرجيم. فلينظر امرؤ أين يضعُ نفسه؟.

الوقفة السادسة: خطورة التفريط.
وإذا سألت: لماذا كانت قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بهذه الأهمية؟ وما صلتها بما نحن بصدده من البلاء الذي لا يزال يعصف بالأمة وينذر بالمزيد، صبَّحها أو مسَّاها؟

فالجواب: أن نصوص الشرع قد دلّتنا على أنّ إحياء هذه الشرعة له ثمرات جليلة عظيمة، منها اتقاء سخط الله عز وجل، والعياذ من لعنته التي أحلّها على الذين لا يتناهون عن المنكرات ولا يغضبون لتعدي حدود الله، ولا يغارون على حرماته.
وذلك أن الله تعالى قال في ذم وتوبيخ بني إسرائيل على هذا الأمر في سورة المائدة: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79)}
ولئن كان من أبرز ثمرات إحياء شِرعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اتقاءُ سخط الله، فإن من أبرز نتائج تعطيل هذه الشرعة والتفريط فيها، استجلابَ المصائب والفتن والمِحن التي تضرب المجتمع الذي يسكت فيه الناس عن إنكار المنكر.
وما أشده من وعيد على ذلك نقرؤه في قول الحق سبحانه: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}. الأنفال،(25).
ومعناها: أن الفتنة قد تعم الظالمين الذين باشروا الظلم، وغير الظالمين من أفراد المجتمع، وإنما عمّت الذين لم يباشروا الظلم، لأنهم أساؤوا وظلموا بصورة غير مباشرة، حين سكتوا عن الظلم وأهملوا واجب إنكاره.
فإذا رأيتَ أمة أو مجتمعًا ما، قد ظهر فيه الظلم أيًا كانت صورته، ضُيِّعت فيه الحقوق، أو عُطلت فيه الحدود، أو تنامى فيه الفجور، أو انـتـُهِكت فيه الحرمات، أو استـُعلن فيه بالمنكر، فأُكِل الربا علانية، أو أظهر الفاسقون والفاسقات ما كان خفي من فسقهم، أو ظـُلِمَ المساكين والأيتام، أو قـُطـِّعت الأرحام، من غير أن يقوم بواجب الإنكار أحد، لا من الخاصة ولا من العامّة، ولا من ذوي العلم ولا ذوي السلطان، فاعلم بأن تلك الجماعة أو ذلك المجتمع مهدد ببلاء عام، أو فتنة شاملة تلِج على المحسن والمسيء، وكلٌّ مسيء، فأما المسيء فإساءته هي إساءته، وأما المحسن فإساءته أنه لم ينكر على المسيء إساءته.

ولذلك نقول: إن من أوجب واجبات المسلم في هذه الأزمان، ومن أهم عناصر موقفه عند حلول المصائب في الأمّة، أن يكون عنصرًا فعّالاً في التغيير، في إزالة المنكر وإشاعة المعروف، فإنه بذلك يَشيد حصن أمان لنفسه ومجتمعه، وإلا كانت المصيبة تطول الجميع، وذلك كشأن الراكبين متن السفينة، إن خرقها أحدهم لم يقتصر الغرق على من خرق، إلا أن يحولوا بينه وبين مفسدته فإنه يَسْلم ويَسْلمون.
وقد مثل النبي صلى الله عليه وسلم قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأثرها في المجتمع، وجودًا وعدمًا، بالسفينة وركابها، وذلك في حديث البخاري، عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَثـَل القائم على حدود الله والواقع فيها كمَثـَل قوم استهموا(1) على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرّوا على من فوقهم. فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا. فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجَوا، ونجَوا جميعا).(2)

فهل يستشعر العقلاء والمصلحون في علاقتهم مع المجتمع، شعور أهل السفينة؟ وهل ينظرون إلى أهل المنكر المجاهرين به، على أنهم يريدون أن يخرقوا السفينة ليَغرقوا، ويُغرقوا من عليها؟.
إن التعامل مع القضية بهذا المنطق الإيماني، ينفي عمّن ينكر المنكر تهمة التدخل في الأمور الشخصية للآخرين، وهو في نفس الوقت ينادي بالتهمة على أهل المنكر، بأنهم يجعلون حياة الأمة والمجتمع عرضة للخطر المحقق، ومن حق الأمة والمجتمع أن ينكر عليهم منكراتهم، وأن يَحُول بينهم وبينها حفاظاً على سلامة ونجاة الجميع .

الوقفة السابعة: ضوابط إنكار المنكر.
إذا عرفنا أهمية إنكار المنكر وخطورة التفريط فيه، فلا بد من أن يتقيد ويتحلى مَن يقوم بواجب الإنكار، بالضوابط والآداب والشروط المعتبرة شرعًا، حتى لا يجرّ الإنكار إلى ما هو أنكر، فينقلب الإصلاح إفسادًا.
ومن تلك الضوابط:
أولا: أن يكون الأمر الذي تنكره وتنهى عنه، مُجْمَعًا على أنه منكر، فأما إذا كان يتسع له هامش الخلاف السائغ، كالخلاف الاجتهادي الفقهي في مسائل الفروع، أو الخلاف بين القراءات المتواترة، أو الخلاف في مجال البدائل المباحة، كأن تجد من يخالفك في نوع الإحرام بالنسك، فإن الأنساك الثلاثة جائزة، أو يخالفك في كفارة الأذى واللبس في الإحرام، فإن كلاً من الصيام والإطعام والنسيكة جائز على التخيير من غير غضاضة، فليس المخالف في هذه الأمور ونحوها صاحبَ منكر ولا بدعة، ولا يصح الإنكار عليه. بل نقول: إن الإنكار في مثل تلك الأحوال هو المنكر.

ثانيا: أن يكون الإنكار في حدود الوسع والطاقة، عملاً بحديث مسلم، عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)(3)

ثالثا: إذا كان يرى أنه يستطيع أن ينكر بيده أو بلسانه، فليحذر أن يؤدي ذلك الإنكار إلى ما هو أشنع، فإن من شروط إنكار المنكر أن لا يؤدي إلى منكر أشد.

رابعا: أن يكون الإنكار بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يبدأه باللين والرفق، فإن (الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه)، كما جاء في الصحيح من حديث أم المؤمنين عائشة الصديقة رضي الله عنها.(4)
وقد قال سبحانه في محكم التنزيل: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}. النحل(125).
نقل الحافظ ابن كثير في تاريخه، في ترجمة الخليفة العباسي هارون الرشيد رحمه الله، قال: بينما الرشيد يطوف يومًا بالبيت، إذ عرض له رجل فقال: يا أمير المؤمنين إني أريد أن أكلمك بكلام فيه غلظة. فقال: لا، ولا نعِمَتْ عين، قد بعث الله من هو خير منك، إلى من هو شر مني، فأمره أن يقول له قولا ليناً.(5) اهـ
يشير الرشيد بذلك إلى قوله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام: {اذهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه]
وينقل ابن كثير عن هارون نفسه رحمه الله، أن ابن السمّاك(6) وعظه يومًا، فكان فيما قال: إنك تموت وحدك، وتدخل القبر وحدك، وتبعث منه وحدك، فاحذر المقام بين يدي الله عز وجل، والوقوف بين الجنة والنار، حين يؤخذ بالكَـَظـَم(7) ، وتزل القدم، ويقع الندم، فلا توبة تقبل، ولا عثرة تقال، ولا يُقبل فداء بمال. فجعل الرشيد يبكي حتى علا صوته، فقال يحيى بن خالد البرمكي: يا ابن السمّاك، لقد شققت على أمير المؤمنين الليلة. فقام فخرج من عنده وهو يبكي.
وقال له الفضيل بن عياض في كلام كثير، ليلة وعظه بمكة: يا صبيح الوجه إنك مسؤول عن هؤلاء كلهم. وقد قال تعالى: {وتقطعت بهم الأسباب}(8) قال: حدثنا ليث عن مجاهد: الأسباب: الوصلات التي كانت بينهم في الدنيا. فبكى الرشيد حتى جعل يشهق.(9) اهـ

قلت: فانظر كيف نفر الرشيد من الغلظة في الموعظة وأباها؟! وكيف رقّ للرقائق، ولانَ قلبه للقول اللين؟!
ورحم الله الشاعر صفي الدين الحلي إذ يقول:

إنما هذه القلوبُ حديدٌ *** ولذيذ الألفاظ مغناطيسُ.


المبحث الثاني: الحذر من المكر الإعلامي.
من أهم مكونات الموقف الإيجابي للمسلم الذي ينتحي منحى التغيير والإصلاح في الفتن الهوجاء والمصائب العامة، أن يكون على حذر من أن يقع ضحية المكر الإعلامي المعادي.
فإن ما تتعرض له الأمة من هجمة إعلامية، لا يقل شدةً وشراسة عمّا تتعرض له من هجمة عسكرية ضارية، بل إن العُدة الإعلامية أهم عند أعداء أمتنا من عُدتهم العسكرية، إذ كثيرًا ما يحققون بسلاح الإعلام وترويج التلبيس والمغالطات عبر التصاريح والبيانات والتقارير الصحفية، ما لا يحققونه بالمدافع والدبابات وأحدث المقاتلات.
وقد كان الإعلام منذ قديم الزمان، وما زال، من أهم أسلحة الحرب النفسية، التي تدخل في الحسابات العسكرية من أوسع أبوابها.

وهلم فنتناول هذا المبحث من ثلاثة محاور، ونبدأ الحديث عنها في المقالة التالية إن شاء الله.



هوامش:
(1) استهموا: اقترعوا.
(2) البخاري، كتاب الشركة، باب: هل يقرع في القسمة ؟، والاستهام فيه.
(3) مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان .
(4) مسلم، كتاب البر والصلة، باب فضل الرفق.
(5) البداية والنهاية، لابن كثير، وفيات سنة: 193هـ
(6) هو أبو العباس، محمد بن صبيح، العابد الزاهد المحدّث، اشتهر بالوعظ، توفي: 183هـ
(7) الكظم، محركة: الحلق أو الفم أو مخرج النفس.اهـ عن القاموس المحيط.
(8) البقرة: 166
(9) البداية والنهاية، لابن كثير، وفيات سنة: 193هـ


بقلم: إبراهيم يوسف منصور

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

من مواعظ الإمام سفيان الثوري
الاثنين، 1 ربيع الأول 1431 هـ - 15 فيفري 2010من مواعظ الإمام سفيان الثوري
اختيار الشيح  صالح الشامي 1- أصلحْ سَرِيْرَتَك يصلح اللهُ علانيتَك، وأصلح فيما...
واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
الاثنين، 1 ربيع الأول 1431 هـ - 15 فيفري 2010واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
 بقلم: د/ عامر حسين أبو سلامةإن الناظر في واقع هذه الأُمة، يجدها منفصلةـ في كثير من ا...
الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الاثنين، 1 ربيع الأول 1431 هـ - 15 فيفري 2010الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الأستاذ : أبو معاذ جاهوش أفضل سبيل لتحقيق هدف المتكلم - متحدثاً كان ، أو محاضراً ، خط...