في التعليم الجامعي
تمهيد:
حين قدَّر الله لي الخروج من السجن عام /1980/ وسلَّمني الله من محاولة اعتقال جديد في حلب، ثم محاولة اختطاف في بيروت، وبعد مغادرتي بغداد لأداء فريضة الحج مع أفراد أسرتي، شرفني الله بالتدريس الجامعي ولهذا الموضوع قصة...
إن مجيئي إلى مكة وأفراد أسرتي السبعة لم يكن إلا بقصد فريضة الحج، لكن زوجتي أم عمار ألحَّت عليَّ أن أبحث عن عقد عمل، ومارسَتْ عليَّ ضغطاً شديداً، بعد توالي المحن عليها، اعتقال بعد اعتقال، وغربة بعد غربة، وتشرد بعد تشرد، ومحاولة اختطاف، ورعب وخوف، استجبتُ لها... وقد أحسست أن الأسرة تحتاج إلى شيء من استقرار وراحة وأمن وطمأنينة، وأضحى لديَّ استعداد للعمل هنا، لكن أين؟ وكيف؟ وأنا غريب في هذا البلد لا أعرف أحداً، ولم يمض على قدومي إليه إلا أياماً محدودة هي أيام الحج، وهو شهر ذي الحجة نهاية عام 1400هـ، لكن الله الكفيل البرَّ الرحيم هيأ لي من العمل ما لم أحتسبه، وقبل أن أسعى إليه، كانت الأمور موجَّهة توجيهاً ربانياً ولله الحمد والمنة أولاً وآخراً.
في بادئ الأمر...حاول أن يأخذ بيدي الحاج محمد البادنجكي ـ رحمه الله تعالى ـ وهو تاجر حلبي عريق، رائد خير كريم، وكان على رأس مشروع خيري كبير في حلب، هو بناء مسجد عباد الرحمن، ومستشفى كبير في حي السبيل بحلب،وفي مواجهة مستشفى الكَلِمة وكنيسته الكبرى، غادر حلب مع الأحداث خوفاً من انتقام السلطة لمعرِفتها أنه يحب الشباب، ويحب الجهاد، ويحب الدعاة إلى الله، ويحب فِعل الخير وبذله... استقر بعد هجرته في مكة المكرمة، عابداً لله سبحانه، ومتابعاً سعيه وحركته الدائبة لجمع التبرعات، ودعم مشروعه الرائد، وكان يتحرك بين مدن المملكة، طوَّافاً على أهل الخير والبر والإحسان، كان يحرص على أن أرافقه حين يسافر إلى جدة، وكأنه ـ رحمه الله تعالى ـ أراد أن يستعين بي في الحديث عن مشروعه، وحفز أهل الخير، لدعم مشروعه، على أن الرجل قد أوتي جمالاً في الوجه، وهيبة في المظهر، وأناقة في اللباس، وقوة في الحديث، وأدباً في الخطاب، لكنه بأدبه الاجتماعي الراقي، أحسن الظن بي فصحبني، أو لعل الرجل أراد أن يخرجني من عزلتي، ووحدتي وفراغي، حيث لا عمل ولا وظيفة ولا أقرباء.... فأراد أن يروِّح عني بالسفر وزيارات الكرام، أو أن يملأ فراغي، أو أن يشركني في الثواب، فأحُثُّ أهل الخير على التبرع لمشروعه الإيماني والإنساني، ولكن ـ وبغير طلب مني ـ راح يبحث لي عن عمل، إماماً في مسجد، أو خطيب جمعة، أو مؤذناً، أو كاتباً في محل، أو أي عمل يؤمِّن لي مورد عيش، ولم يتيسر شيء من ذلك لحكمة ـ يريدها الله سبحانه ـ فله الحمد والشكر والمِنَّة، وما كدت أحِسُّ بالصدمة ثانية، حتى جاء الفرج الرباني من جهتين وفي وقت واحد.
الجهة الأولى: كنت قد أرسلت صورة من أوراقي الثبوتية إلى الأخ الكريم الأستاذ عادل كنعان في قَطَر، وتابع الرجل جهده ومسعاه، فمنَّ الله عليَّ بوظيفة قاض(1) في محاكم قطر، وبراتب جيد، وسكن ممتاز، ومكافآت أخرى...يقول الأخ كنعان أبو عمار ـ حفظه الله ـ مهنئاً ومشجعاً: لقد مضى علينا ثلاثون سنة في هذا البلد، فلم نظفر بمثل هذه الامتيازات!!.
الجهة الثانية: في نفس هذا الوقت، ومع تقديم مثل هذا العقد الممتاز، يسَّر الله لي أمر التعاقد مع جامعة الملك عبد العزيز، ولهذا الأمر قصة أرويها فيما يأتي ـ تحدثاً بنعمة الله فهو ولي النعمة البر الرحيم.:
كان الأخ الأستاذ إبراهيم جلال (أبو جلال) ـ حفظه الله ـ المقيم في مكة المكرمة، عرض عليَّ أن نزور الأستاذ محمد المبارك ـ رحمه الله تعالى ـ مستشار مدير جامعة الملك عبد العزيز والأستاذ في كلية الآداب بنفس الجامعة، وسرعان ما أجبتُ الأخ أبا جلال لطلبه ـ فرِحاً سعيداً ـ لما بيني وبين الأستاذ المبارك من صلات طيبة، وذكريات حميمة، فقد كان أستاذي في كلية الشريعة بجامعة دمشق، وكنتُ أعمل معه مديراً لمكتب أسبوع الجزائر الذي يرأسه بصفته الأمين العام له.
وإذن فلم يكن الأمر أكثر من مشروع زيارة لأبي هاشم (محمد المبارك)! لكنني وبشكل مفاجئ يسألني الأستاذ المبارك: هل أمَّنتَ عملاً؟ قلت له: لا. لكني أبحث عن عمل، وأنا أعيل أسرة مكونة من ثمانية أنفار، ويفاجئني أكثر فأكثر بسؤاله: أتذهب أستاذاً في كلية الشريعة في الجزائر؟ أجبتُه والدهشة تكاد تعقد لساني: إن كنتَ ترى فيَّ أهلية للتدريس الجامعي، فأنا جاهز، قال أبو هاشم: جهِّز لي أوراقك وأْتِني بها...وجهزتُ الأوراق بسرعة وأحضرتُها له، وإذا به ـ رحمه الله تعالى ـ ينقل مسعاه، من الجزائر إلى كلية الآداب بجامعة الملك عبد العزيز ـ فرع جدهَ ـ ومرة أخرى أحس بالدهشة!، بل أحسُّ باليد الربانية الحانية التي تحرك قضيتي خطوة بعد خطوة، على غير تخطيط مني أو تدبير، وكيف يكون لي تخطيط أو تدبير أو طموح لمثل هذا الموقع العلمي الجامعي، وأنا غريب الدار، لا أحمل إلا الإجازة الجامعية، ولم يسبق لي من عمل إلا التدريس في المرحلة الثانوية، بل إن مسعايَ مع الحاج محمد بادنجكي كان يدور حول وظيفة إمام مسجد، أو خطيب جمعة، أو كاتباً لدى شركة الراجحي؟!!
حقاً كان الأمر أكبر من طموحي! وأكبر من توقعي! وأكبر من حلمي! لكنه فضل الله وتيسيره ومراده.
عانيتُ رهقاً شديداً، وأنا أتابع إجراءات عقدي مع الجامعة بسبب الروتين، وقد كان الحر شديداً، ولا أملك وسيلة نقل، بل لا أملك من المال لدفع أجور سيارات الأجرة، لذلك غالباً ما كنت أمشي لأوفر نفقات التنقل.
يتبع في الحلقة السابعة والعشرين، ونتحدث فيها عن التعاقد مع جامعة الملك عبد العزيز.
(1) بصفتي أحمل شهادة حقوق( ليسانس) إضافة إلى إجازة في الشريعة ودبلوم عامة في التربية.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين