إنّ الشيخ الجليل الرباني الشريف محمد علي المونكيري رحمه الله كان من كبار الربانيين والدعاة والمصلحين الذين قاموا بدور رائد ملموس في النهوض بالمسلمين في الهند خاصة، ومن أجلّ مفاخره تأسيس تلك الواحة العلمية الخصبة الخضراء التي تعرف الآن بندوة العلماء، والتي دارت فكرتها بخلده لأول مرة، فقام بتحقيقها بتعاون كريم من أجلة العلماء من عصره، كما لا يجحد دوره في إصلاح عقائد المسلمين وأعمالهم، وبثّ روح الإيمان والتقوى فيهم، وأكبر دليل على مكانته الروحية القوية تلاميذه الذين تلقّوا عنه التربية الروحية، وخلفوه في الدعوة والإرشاد والتوجيه والإصلاح، ومن أشهر خلفائه وتلاميذه صاحبنا فضيلة الشيخ العالم الرباني عبد الرشيد الراني ساكري الآروي، الذي عرف بكفاحه وجهوده في الدعوة والإرشاد والتربية الروحية، وإصلاح المجتمع، وكان ربّانياً بمعنى الكلمة.
فهو الشيخ عبد الرشيد بن جسيم الدين بن حرمت خان بن رانو خان.
ينتمي الشيخ عبد الرشيد الراني ساكري إلى سلالة أفغانية من أشهر قبائلها "يوسف زئي" نزح منها أحد أجداده واستوطن قرية "راني ساكر" من بلدة "آره" بولاية بهار.
كان والده الشيخ جسيم الدين من العلماء الربانيين، استفاد أولاً من علماء غازيفور، ثم حضر إلى العلامة المحدث عبد الحي اللكنوي رحمه الله تعالى، وتلمذ عليه، ثمّ رحل إلى بلدة سهارنفور، حيث تلقى علم الحديث عن المحدث الشهيرالشيخ أحمد علي السهارنفوري، فعرض عليه الصحاح الستّ بكاملها قراءةً وسماعاً، ثمّ تعلم الطب في لكناؤ وامتهنه، ولم يزل يخدم به الناس في كل من بلدة غازيفور ومدينة كلكته، وبلدة مونكير في فترات مختلفة من حياته، وبايع على يد أحد كبار الشيوخ الحديث العهد بالإسلام الشيخ قادر بخش، وتلقى عنه التربية الروحية، فأجازه بالبيعة والإرشاد، فقام بالدعوة والإرشاد، توفي سنة 1310هـ ودفن في وطنه "راني ساكر"، وكان الشيخ إذ ذاك يتراوح بين التاسع والعاشر من عمره.
ولد الشيخ عبد الرشيد الراني ساكري 12/ ذي الحجة سنة 1310هـ الموافق 16/ أكتوبر 1884م بيوم الخميس، وتلقى العلم على يدي والده في بلدة مونكير، وهناك بدأ حفظ القرآن الكريم، ولم يكد يحفظ منه إلا عشرة أجزاء، إذ فارقه والده إلى الآخرة، فتوجه بعد قليل من وفاة السيد الوالد إلى بلدة"جهفره" لإكمال الحفظ في المدرسة الحسينية لمؤسسها الشيخ محمد حسين، ولكنه لم يتمكن من إكماله رغم قضاء ثلاث سنوات في تلك المدرسة، فبدأ دراسة اللغات العربية والفارسية وغيرهما في المدرسة الحنفية من أشهر مدارس "آره" ثم سافر إلى بلدة "إله آباد" والتحق بالمدرسة السبحانية بهذه البلدة لمؤسسها الشيخ عبد الكافي الإله آبادي، وقد كانت عند ذاك مرجع الطلبة، فقرأ فيها شرح الوقاية لتاج الشريعة ومشكاة المصابيح للخطيب التبريزي، ثمّ إنه عزم على التضلع من العلوم العقلية، وكان قد طرق سمعه ذكر الشيخ معين الدين الأجميري الذي كان عداده من أرسخ العلماء في العلوم العقلية وأشهر رجالها في الهند، وكان إذ ذاك يقوم بالتدريس في بلدة لاهور، فتوجه إليها الشيخ الراني ساكري مستفيداً من علم هذا الفاضل الجليل، ثمّ لمّا انتقل الشيخ الأجميري منها إلى بلدته "أجمير" واستقرّ في المدرسة المعينية بها ذهب الشيخ إلى بلدة طونك، وحضر هناك دروس أشهر العلماء في هذا الفنّ الشيخ بركات أحمد الميرنكري الشيخوفوروي ثم الطونكي، وقد كان الشيخ بركات أحمد قد أخذ العلوم العقلية من أشهر مدارس العلوم العقلية في الهند، وهي سلسلة علماء خيرآباد، فقد كان تلميذاً محبّباً لدى أستاذه الشيخ فضل حق الخيرآبادي الذي يعتبر خاتمة هذه المدرسة العقلية، وهناك في "طونك" رافقه في الدرس العلامة الشهير مناظر أحسن الكيلاني.
وبعد ما أتم دراسة العلوم العقلية توجه إلى دراسة الحديث النبوي الشريف على عادة الطلبة آنذاك، ففكّر أولاً وبحث عن أجلّ أساتذة هذا العلم وأرسخ العلماء فيه، فاهتدى إلى الشيخ المحدث ماجد الجونفوري، الذي كان يقوم بتدريس الحديث في قرية "ميندهو"التابعة لعلي جراه، فأكمل الشيخ الراني ساكري عليه دراسة جميع كتب الصحاح سنة 1326هـ، وهكذا فرغ من الدراسة وهو في السادس والعشرين من سنه، ونال مواهب عالية في كثير من العلوم، وقد كان لذكائه النادر واجتهاده في الدراسة محبّباً في عيون أساتذته بارزاً بين الأقران، أينما حلّ ونزل، وذلك رغم فقره، فقد تحمل جميع المشاق في سبيل العلم.
رجع الشيخ بعد التخرج إلى وطنه حيث وجه عنايته إلى تربية النساء وإصلاحهنّ، فأسّس لذلك مدرسة للبنات في قريته، ثمّ طلبه أحد أصدقائه الشيخ نور محمد إلى وطنه في ولاية بنغال في مدرسة كبيرة، فغادر وطنه إليها على دعوة من الأستاذ المذكور وعهد بشؤون مدرسة البنات إلى أحد كبار العلماء من وطنه، وهناك في مديرية "بغورا" من ولاية بنغال استقرّ الشيخ حيث نال من أهلها تقديراً بالغاً وحفاوة حارّة، لما شاهدوا فيه من الورع والتقى والالتزام بالسنة النبوية، فأقبل الناس عليه، واجتمعوا لديه، ثم انتقل الشيخ منها بعد قليل إلى بلدة "آسنسول" من نفس الولاية، مدرساً في مدرستها "مصباح العلوم" لصاحبها أبي الفرح اليمني على إلحاح من فضيلته، حتى أسند الشيخ اليمني إليه برئاسة المدرسة وإدارتها، فقام بهذا الواجب خير قيام، ومع ذلك نال من الناس قبولاً عاماً لأخلاقه الفاضلة وسجاياه النبيلة ومكانته العظيمة العليا في الزهد والورع وتقوى الله عز وجلّ، واستفاد منه هناك كثير من الناس، ودرّس الشيخ في هذه المدرسة بكل جدّ واهتمام بالغ، حتى تخرج على يديه عدد من كبار العلماء في هذه المدرسة، وهؤلاء هم الذين كانوا أشهر تلاميذه.
وكان الشيخ منذ أيام طلبه من أروع الطلاب وأزهدهم وأكثرهم عناية بالتزكية الروحية، ولما تخرج من المرحلة الدراسية واشتغل بالتدريس تعطش قلبه إلى من يروي غليل روحه ويشفي ظمأ فؤاده، وكان قد طرق سمعه ذكر الشيخ الجليل المربي الروحي الحكيم الشيخ أشرف علي التهانوي رحمه الله تعالى، وكان يتابع مطالعةمجلتي "الهدى" و "النور" الصادرتين من المدرسة الإمدادية بتهانه بهون تحت إشراف الشيخ، واللتان كانتا تفيدان بآرائه وأفكاره وعلومه إضافة إلى شرح طريقته في التربية الروحية، فأعجب به وهمّ بالتلمّذ عليه والتمسك بذيله لتربية نفسه وتزكية باطنه، ولكنه أشير عليه في المنام بالتوجه إلى الشيخ الجليل الإمام السيد محمد علي المونكيري رحمه الله مؤسس ندوة العلماء، فحضر إليه في مدينة مونكير وبايع على يديه، ولم يزل يتلقى منه التربية الروحية مشتغلاً بالذكر والإنابة إلى الله في ضوء توجيه الشيخ، ثم ترك التدريس بمدرسة مصباح العلوم وعاد إلى وطنه، وأقام في وطنه يقوم بمهمة الدعوة والتربية والإرشاد هناك متوكلاً على الله في معاشه، ورفض كل طلب قدّم إليه لقبول وظيفة في مدرسة أو مسجد، وفي هذه الفترة رحل إلى دهلي حيث أخذ علم الطبّ وامتهنه لأيّام على إلحاح من أهل بيته، فكتب الله على يديه الشفاء، وأقبل عليه المرضى، وتهافتوا عليه للمداواة تهافت الظمآن على الماء، ممّا أخلّ بعبادته وذكره وانقطاعه إلى الله عز وجلّ، فترك هذه المهنة واشتغل بالدعوة والعبادة، وفي هذه الأيام تسنى له أن يقوم لتفرة بخدمة الإمارة الشرعية المؤسسة الشهيرة بولاية بهار، التي تقوم بتنظيم المسلمين تحت إمارة شرعية دينية، وكان يقوم بهذه الخدمة حسبة لله عز وجل، دون أي أجرة يأخذها على ذلك، وكان ذلك سنة 1350هـ، ومنذ ذلك الحين عزم الشيخ على خدمة الدين محتسباً غير موظف لابتغاء وجه الله عز وجل، فلم يأخذ أجرة على خدمة بعد ذلك قط، وأكبّ بعد ذلك على التبليغ والإرشاد، ألزم نفسه ودأب على أن يتجوّل في القرى والأرياف التي كانت بعيدة العهد بالإسلام، جاهلة عن معاني القرآن والسنة وتعاليم الشريعة الغراء، واهتمّ في مثل هذه الأماكن بتأسيس المدارس وتنظيم الكتاتيب الإسلامية لتعليم الأطفال.
فبينما كان في وطنه "راني ساكر" إذ أخبر عن أهل بهوجفور الجديدة بأنها بعيدة عن الدين، لا تعرف من الإسلام إسماً ولا من الدين رسماً، حتى أنهم ليس فيهم إمام يصلي بهم صلاة صحيحة وفق الأحكام الشرعية، فتوجه إليها على توجيه من تلميذه الشيخ محمد إسحاق، وكان ذلك أمثل نموذج وأروع مثال للتضحية والجهود الطيبة، إذ يتقدم عالم كبير مثل الشيخ لخدمة الدين بالإمامة في المسجد في قرية صغيرة ولا يبالي بما له من مكانة علمية، ويستقر مقيماً في القرية لإرشاد الناس وتعليمهم دون أن يطلب منهم شيئاً من الأجر يعيش به ويكفل عائلته، فإنه كان يسرّه أن ينال مثل هذه الفرصة الذهبية لخدمة الدين، وما إن قام الشيخ في تلك القصبة حتى انقلب الحال رأساً على عقب، وتبدلت الأرض غير الأرض، وجعل الناس يقبلون على الشيخ ويتقربون إليه بفضل ما رأوه في حياته من العمل بالشريعة والسنن النبوية تماماً، ووجدوه على مبلغ عظيم من الصلاح والدين، وبفضل مواعظه الرقيقة المؤثرة وتوجيهاته الرشيدة عمّرت المساجد، وأسست عدة مدارس في نفس المنطقة، التي لم يكن لها عهد بالدين قبل سنوات، وأصبح الكتّاب الذي كان قد بدأه الشيخ هناك لتعليم الصبيان مدرسة كبيرة يعلّم فيها عدد كبير من المعلّمين والأساتذة الكبار، ثمّ قام ببناء مدرسة جديدة باسم المدرسة الرشيدية بقرية "كواته" التابعة لبلدة "آره" وتولى إدارتها تلميذه محمد إسحاق.
ولمّا وصل الطلاب إلى الصف النهائي أحبوا دراسة الكتب الستة على الشيخ في المدرسة فدرسهم هذه الكتب، ثم عني بتأسيس مدرسة أخرى بناءاً على طلب من تلميذه الفاضل الشيخ رحمة الله ببلدة "جترا" التابعة لمدينة "هزاري باغ" والتي أصبحت مقرّ الشيخ بعد ذلك، وعرفت هذه المدرسة في الأيام التالية برشيد العلوم بالنسبة إلى الشيخ، وهناك استقر الشيخ سنة 1949م الموافق سنة 1370هـ على دعوة من أهلها، وقضى قبل ذلك اثنتي عشرة سنة في بهوجفور الجديدة التي هبت فيها ريح الإيمان بفضله، وأصبحت هذه الأرض المقفرة المجدبة في الدين والعلم ذات المدارس والكتاتيب، ولم يزل يرشد الطلبة من هناك و يقوم بتوجيههم في مجال التدريس والدعوة، ولم يبال قط بنفسه وأهله في سبيل الدين، قلم يبن داراً، ولم يهتمّ بالعيش الرغيد، وإنما كان مثلاً صادقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل".
وقد كانت الدعوة إلى الله وتبليغ الدين إلى الناس أكبر هواه وشغله الشاغل، والذي كرس له الشيخ جميع ما يملكه، وضحى في سبيله بكلّ نفس ونفيس، وشمر له عن ساق جده واجتهاده منذ سنة 1349هـ، فتجول في القرى والأرياف التي لم يكن لها عهد بالعلماء قطّ، ولم يكونوا يعرفون شيئاً عن الدين غير أنهم مسلمون، ووصل إلى المناطق الوعرة المسالك التي لم تكن قد وصلت إليها قدم عالم أو مصلح، فقام بأداء هذا الواجب الدعوي خير قيام في مناطق بهار بما فيها جهاركهند الحالية، ولا سيّما في المناطق والقرى القريبة لمدينة"هزاري باغ"، فوصل مرة في هذه الجولة إلى قرية من مديرية بلامون من ولاية جهاركهند، لم يكن الوصول إليها ميسوراً لوعورة الطريق، ولم يكن يأتيها أحد، ولكن لما بلغه جهل أهلها عن الدين والمدنية وانتشار الجاهلية العامّة، شمّر عن ساق الجد لتبليغ رسالة الله إلى أهلها، فتاب على يديه خلق كثير، ودخلوا في السلم كافة، ولم يزل يحضر هناك حتى نشأ بها بفضل جهوده الدعوية كثير من العلماء، كذلك حدث في منطقة جبلية غير ميسورة الوصول "ماسياتوھولنغ" حيث وصل إليها الشيخ، وكان قد رزق تأثيراً في الكلام، فتأثر به الناس وتابوا عن معتقداتهم الفاسدة، كما رافق الشيخ حركة الدعوة والتبليغ لصاحبها محمد يوسف الكاندهلوي رحمه الله وسافر إلى دهلي، وحضر مسجد نظام الدين مركز الدعوة والتبليغ، وقام بتأييد هذه الحركة، وحرض الناس على الانتساب إليها والعمل فيها.
وقصارى القول أنّ الدعوة إلى الله وتبليغ الدين الصحيح كان هو عنوان شخصيته التي عاش يسعى لها، ويعدّ ذلك من أجلّ مكارمه، فهدى الله على يديه عدداً كبيراً من الناس، يكاد يبلغ الآلاف المؤلفة، كما قام باجتثاث جذور الجاهلية الجهلاء عن كثير من مناطق المسلمين لسيره المتواصل وتذكيره للناس.
وقام الشيخ بأداء ثلاث حجات، إحداها خلال إقامته في بهوجفور، حيث رافقه بعض الإخوة المعاونين، وكان السفر كله شوقاً ولهفة، ولمّا رجع إلى ممبائي أرهقه المرض حتى رجع إلى بيته مريضاً، وكان ذلك 1932م الموافق 1351هـ وعمره إذ ذاك قد جاوز الأربعين، وكانت حجته الثانية مع أهله بما فيهم زوجته وابنته الصغيرة، وفي هذه الرحلة أنهكه المرض في مكة المكرمة، ولكنه لم يزل صابراً متجلداً على ما أصابه، وحاول الالتزام بجميع السنن والمستحبات لهذه الفريضة المباركة، حتى اختار الطرق التي سلكها النبي صلى الله عليه وسلم، وتسنى له في هذه الحجة أن يتشرف بدخول الكعبة المشرفة مع زوجته وابنته الصغيرة، وأداء الركعتين فيها، وظهر من ايثاره في هذه الحجة أن جاجاً من رفقة الشيخ في سفر الحج كان معدماً، لم يملك ما يقوم به بزيارة النبي عليه الصلاة والسلام، ويسافر من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، كما لم يكن عند الشيخ ما يكفي له ولرفيقه، فآثره الشيخ على نفسه، ومنحه ماله حتى يقوم بالزيارة، لأنه كان قد قام بالزيارة في حجته الأولى، أمّا حجته الثالثة فكانت سنة 1948م ـ مع أشهر تلاميذه الشيخ رحمة الله وطائفة من الناس.
وكان الشيخ متبعاً للسنة في كلّ مرحلة من مراحل حياته وعاداته اليومية وعبادته،دائم الإنابة إلى الله تعالى، لهجاً بذكر ربه، وكان يحب السذاجة والبساطة في المأكل والملبس ومرافق الحياة، ولم يكن ليرضى بالتأنق والزينة اتباعاً بالسنة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام، وكان يحيي الليالي، ويبكي ويتضرع إلى الله عز وجل، وربما يتملكه الشوق فينشد الأبيات والقصائد النبوية، فتنهمر عيناه وتبكيان.
وكان من عادته كلّ يوم أن يكون مشتغلاً بذكر الله عز وجل والمراقبة بعد أداء صلاة الفجر إلى صلاة الإشراق في المسجد، ثم يقوم بأداء ركعات الإشراق، ثمّ يدخل حجرته فيتناول الشأي، ثم يحضر الناس فيعظهم ويذكرهم ويعلمهم أحكام الدين، ثم يستريح بعد انصرافهم قليلاً، ثم يستيقظ فيقوم بأداء صلاة الضحى، ثم يشتغل ببعض الأعمال العلمية، ويتلو القرآن الكريم، ولم يزل كذلك إلى الغداء حتى يتناوله، ثم يقيل قليلاً، ثمّ يقوم بأداء صلاة الظهر، ثم يجلس لإملاء ردود الخطابات التي ترد عليه، ثم يشتغل بالتلاوة قليلاً، وبعد ذلك يعكف على تصنيف بعض الكتب إلى صلاة العصر، وبعد صلاة العصر يشتغل بالذكر قليلاً، ثم يجلس للناس يعظهم ويذكرهم، فيستفيدون من مجالسه، التي كانت عامرة بالعلم والذكر، ثمّ بعد صلاة المغرب يشتغل بالنوافل طويلاً، ثمّ يستمع إلى حوائج الناس، وما يعرضون عليه من أحوالهم الدينية، وبعد صلاة العشاء يتناول العشاء ثم يستريح نائماً إلى نصف الليل، ثمّ يقوم للتهجد وإحياء الليل.
وكان الشيخ مستجاب الدعوة من الله عز وجل، ظهرت آثار ذلك في كثير من المناسبات، كما ظهرت على يديه الخوارق والكرامات حسب قوله عليه الصلاة والسلام "كرامات الأولياء حق".
وقد سبق أن الشيخ كان في أخلاقه يتبع سنن سيده عليه السلام، وكان في رحلته يواظب على صلاة الجماعة مهما تأخرت عنه السيارة أو القطار، وربما توقف القطار فلم يتحرك رغم محاولة السائق حتى ركبه الشيخ بعد الفراغ من الصلاة، وله قصص لدماثة الخلق ولين الجانب ومواساة المنكوبين والفقراء والمساواة بين الناس وإكرام العلماء، ولا سيّما أنجال شيخه وغير ذلك من الأخلاق الفاضلة النبيلة التي يطول وصفها.
بايع على يد الشيخ خلق كثير ونفع الله به عدداً كبيراً منهم، فاهتدوا إلى الصراط المستقيم، وكان في ضمن من بايع على يديه وتلقى عنه التربية الروحية عدد من أجلّة العلماء من تلاميذه وغيرهم، ممّن خالطوه في حلّه وترحاله، وشاهدوا حياته عن كثب، وذلك ما يعتبر أبرز دليل على عظمته، وكان إذا حضر إليه أحد للبيعة أمر بأداء الركعتين، ثم التوبة عن جميع الذنوب والمعاصي، ولم يكن يقبل بيعة العلماء عامة، وله قصص ونوادر في بيعة الناس.
وفاته:
ولم يزل الشيخ مشتغلاً بعملية الدعوة والإرشاد دائباً على ذلك إذ دهمه مرض الفالج الذي أصيب به خلال نزوله في منطقة "كلتي" من بلدة بردوان من بنغال لغرض الدعوة والتبليغ، وبسببه شلّ جسمه، واعتقل لسانه، وامتنع فمه عن قبول لقمة، حتى أدخل الطعام عن طريق الفم بواسطة بعض الآلات، ولم يزل كذلك إلى نحو شهرين ونصف، حضر خلال هذه المدة كثير من العلماء لعيادته، كان فيهم نجل شيخه الجليل الشيخ منة الله الرحماني أمير الإمارة الشرعية آنذاك، وكرّس الأطباء المخلصون جميع جهودهم في المداواة إلى أن وجد بعض الخفة، وأخذ لسانه يتحرك قليلاً، واشتهى إلى الطعام، فنقل إلى مستقره، ولم يزالوا يوفرون له ما أمكنهم من التسهيلات في الدواء والغذاء، واستمرت هذه الحالة إلى وفاته نحو ثلاث سنوات، وكان يمتنع خلال هذه الأيام في شهر رمضان عن تناول الطعام في النهار، ويهتمّ بصلاة العيد في يومه، إلى أن جاء أجل الله الذي لا يؤخر إذا حان وقته، وذلك في الواحد من يونيو سنة 1969م الموافق 5/ ربيع الأول سنة 1389هـ يوم الأحد، واضطرب الناس حينما اشتدّت به وطأة المرض، واجتهدوا للدواء، ولكنه لم يزد ذلك إلا شدة وكرباً، واشتدّ في الليل حتى أيقن الناس باحتضاره ويئسوا، فسقوه زمزم، ولقّنوه الكلمة الطيبة التي لم يزل يلهج بها إلى أن لفظ نفسه الأخير، وهو إذ ذاك في اثنين وتسعين من سنه، وفي اليوم التالي غسّل جسده وصلّى عليه تلميذه الجليل الشيخ رحمة الله الجتراوي، الذي كان من أجلّ تلاميذه وخلفاءه، ومديراً لمدرسة رشيد العلوم بجترا، وأكبر علماء المنطقة بعد الشيخ، وهناك دفن.
وكان للشيخ ثلاث زوجات، تزوج أولاهنّ أيام طلبه واشتغاله بالدراسة، ثم تزوج اثنتين بعد ذلك، وولد له منهنّ تسعة أولاد، من الأولى واحد، ومن الثانية خمسة، ومن الثالثة ثلاثة، ولم يعش منهم إلا إبنتان، رابعة وثامنة، ولكل منهما أولاد.
آثاره العلمية:
إنّ الشيخ مع تركيز أكبر اهتمامه بعملية الدعوة والتبليغ، أعار بعض عنايته بالتصنيف، وليس ذلك إلا لغرض إصلاح الناس، فخلّف عدة رسائل، معظمها يدور حول هذا الموضوع، وكلها بالأردية في لغة سهلة عادية يفهمها العامة، وذلك ما كان يتوخاه الشيخ، منها رسالة باسم "ضروريات مذهب" وأخرى باسم "ضروريات دين" حول الأمور اللازم معرفتها لعامة المسلمين، إلا أن ّ القارئ ربما يجد في غضون هذا الكلام العادي البسيط نكتاً دقيقة لطيفة يتمتع بها، ومنها "تحفة رشيدية" في أحوال البرزخ والقبر، تحدث فيها حول الموضوع ببسط وأورد بعض القصص المؤثرة لذلك، ومنها "جمال محمدي" كتاب مختصر في موضوع السيرة النبوية، ومنها "ثبوت السلوك" في باب التزكية والإحسان في 62 صفحة، وكذلك كتاب "ولاية النسوان" رسالة تناقش البحث المهم حول ولاية المرأة مثل نبوتها وفضلها على الرجال، ومعيار السلوك تلخيص كتاب "الإبريز" للسيد عبد العزيز الدباغ، ومنها "واقعات قيامت" والصلاة والأدعية و "صلاة رشيدي" في شرح أحكام الصلاة.
بقلم: طلحة نعمت الندوی
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين