‏الشاب المجاهد الشهيد محمد جمال عيار (أبو الفضل) 1958-1984م

‏الشاب المجاهد الشهيد محمد جمال عيار (أبو الفضل) 1958-1984م

التصنيف: علماء مجاهدون
الجمعة، 1 جمادى الآخرة 1447 هـ - 21 نوفمبر 2025
46
محمد جمال عيار...
محمد جمال عيار...
الميلاد :1958 - 01 - 27- الوفاة :1984

‏الشاب المجاهد الشهيد محمد جمال عيار (أبو الفضل)
1958-1984م


ولادته ونشأته:
ولد محمد جمال عيار في حي السكري بمدينة حلب بتاريخ 27‏/1‏/1958م ، ثم انتقل مع عائلته إلى حي (الجلوم) بحلب، واستقروا هناك.
عُرف والده محمد فضيل بالصلاح والتقى، أما أمَه فهي عيوش خياطة، من عائلة (آل خياطة) أهل الدين، والأدب. ومنهم: الشيخ محمد نجيب خياطة شيخ قراء حلب، ومنهم الطبيب الشيخ عمر خياطة رحمهم الله جميعاً.
تلقى الأخ محمد جمال تعليم القرآن الكريم عند الشيخ المقرئ محمد صالح طحان، والملقب بالشيخ (كلال) وهو من تلاميذ الشيخ محمد نجيب خياطة، وكان يتقن تلاوة وحفظ القرآن الكريم على القراءات العشر، ويعلمها للناس في مسجد (الكواكبي).


دراسته:
درس محمد جمال المرحلة الابتدائية، وحاز على الشهادة الإعدادية من مدرسة (معن بن زائدة) في عام 1973م، والتحق بعدها بالثانوية الشرعية المعروفة باسم (الخسروية) في حلب.
في هذه الفترة التزم محمد جمال في (مسجد العكش) في حي الجلوم، حيث كان الشيخ عبد الوهاب طويلة رحمه الله يحاضر في المسجد بمادة الفقه الإسلامي على شباب الدعوة الإسلامية، وكان المسجد يغص بالشباب المسلمين من طلبة الجامعة من مختلف الاختصاصات الطب، والهندسة، وغيرها..


في مسجد (الهبراوي):
خلال هذه الفترة تم تعيين الأخ محمد جمال إماماً في جامع (الهبراوي)، في حي الكلاسة، وهو أقدم مسجد في الحي، وفيه بدأ محمد جمال نشاطه الدعوي، حيث أنشأ حلقات حفظ القرآن الكريم، كما بدأ بتدريس المواد الشرعية بشكل مبسط للطلاب الصغار من المرحلة الابتدائية، والإعدادية.
أحبَ أهلُ الحي الأخ محمد جمال، وذاع صيته في المنطقة، ورأى الناس نشاطه، واهتمامه بأولاد الحي، حيث كان ينظم الرحلات الدورية للأولاد لاسيما في فصل الصيف. وكان رحمه الله ينفق على طلابه، ويشتري لهم من ماله الخاص كتباً، وقصصاً إسلَامية صغيرة، تزكي في نفوس الطلاب آداب الإسلام، وتعاليمه بأسلوب مبسط، ومحبب لدى الأطفال. وكانت أشهر هذه القصص للكاتب والأديب المسلم عبد الودود يوسف رحمه الله.


‏موقف جميل مع الشيخ محمد الملاح رحمه الله:
عندما كنا نتردد على الشيخ محمد الملاح رحمه الله، وندرس عنده الفقه من كتاب (رد المحتار على الدر المختار) على المذهب الحنفي، وكنا مجموعة من طلاب العلم، وكان الأخ محمد جمال واحداً من هذه المجموعة.
وكان الأخ محمد جمال يجلس مقابل الشيخ أثناء الدرس، والكل يعرف أن الأخ محمد جمال كان أبيض الوجه، جميل المُحيَا، أعطاه الله جمالاً في الخَلْق، والخُلُق، وكانت لحيته لما تنبت بعد. فقال له الشيخ الملاح يوماً يا بني: لا تجلس مقابلي، وإنما اجلس عن يميني، أو عن يساري، وإلى الخلف قليلاً. - كي لا تقع عين الشيخ عليه - والتزم الأخ محمد جمال بكلام الشيخ الملاح فترة من الزمن، فصار يجلس عن يمين الشيخ أو يساره، إلى أن نبتت لحيته، وكادت أن تكتمل، حيث جاء إلى الشيخ وقال له: يا سيدي هذه لحيتي قد نبتت، وكادت أن تكتمل، فهل تسمح لي أن اجلس مقابلك؟ فتبسم الشيخ رحمه الله وقال: نعم. الآن اجلس في أي مكان تريد.


صفاته وأخلاقه:
لقد منح الله الأخ محمد جمال جمالاً في الشكل، فقد كان أبيض الوجه، مُحلٌى بلحية شقراء، قوي البنية، تغلب عليه الحركة، والدعابة في القول، ذو روح طيبة مرحة، وكان يحب الأناقة، والرتابة في ملبسه، وكل شؤونه، وكان يردد دائماً الحديث الشريف: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف)..
ومن أجل هذا الحديث بدأ الأخ محمد جمال يعد نفسه، ويقوي جسمه بالتدريب، حيث بدأ أولاً بالتدريب على المصارعة، عند المدرب الشهير في مدينة حلب الحاج محمد ساكت رحمه الله، ثم انتقل يتدرب معنا في رياضة (الجودو) عند المدرب الشيخ الشهيد سحبان طراب رحمه الله، الذي كان يدرب الشباب المسلمين على رياضة (الجودو)، وقد نال أغلبهم الشهادة في سبيل الله ومنهم: (جمال البي، وأسامة إدلبي، وعبد الفتاح عرب، والدكتور عدنان مكانسي، وغيرهم ممن استشهد في فترة الثمانينات من القرن الماضي في عهد النظام البائد.
لقد كان الأخ محمد جمال يتمثل الآية الكريمة في وصف المؤمنين: (أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين)، فكنت تراه بين إخوانه طيباً، متواضعاً، خادماً لهم، ولكنه مع الفجرة والظلمة، شجاع، مقدام لا يخاف في الله لومة لائم.
وأذكر هنا موقفاً من شجاعته، وجرأته رحمه الله أمام الباطل حينما كان في الخدمة الإلزامية، وكان برتبة رقيب فسمع أحد الضباط يسب الذات الإلهية، ويشتم الدين.. فما كان من الأخ محمد جمال رحمه الله إلا أن صرخ في وجه الضابط متسائلاً: لماذا تسب الدين، وتسب الإله، هل تتجرأ أن تسب حافظ الأسد؟ فاستشاط الضابط غضباً، وأمر بسجنه ستة عشر يوماً في سجن الكتيبة.
‏ولما طلبوا منه أن يحلق لحيته أثناء الخدمة الإلزامية في الجيش، رفض رفضاً قاطعاً، وبقيت لحيته يُغيظ بها أعداءه إلى أن اعتقل اعتقاله الأخير، الذي انتهى به إلى سجن تدمر العسكري.


مشايخه:
حضر الأخ محمد جمال عند عدد كبير من علماء حلب، وتعلم منهم في الثانوية الشرعية، وفي مساجدهم الخاصة، وكان في مقدمتهم الشيخ عبد الله علوان، والشيخ عبد الله سراج الدين، والشيخ عبد الوهاب طويلة، والشيخ عبد الرحمن كرام، والشيخ طاهر خير الله، والشيخ محمد غياث أبو النصر البيانوني، والشيخ أحمد جاموس.. رحمهم الله جميعاً، والشيخ فاتح الراوي حفظه الله، وكان شيخه ومسؤوله في العمل الدعوي.


في الخدمة الإلزامية:
التحق بالجيش السوري عام 1978م وكان يعتبر هذه الفترة فرصة جيدة للإعداد، والتدريب على الأسلحة المختلفة، وهي بنفس الوقت تقوية للجسم، وتدريب على القتال والجهاد.


‏اعتقاله:
اعتقل الأخ محمد جمال بتاريخ 20/12/ 1979/م من قبل فرع الأمن العسكري بحلب، وبعد تحقيق طويل، وتعذيب شديد، أرسلوه إلى (فرع فلسطين)، وبقي فيه عدة شهور، ثم أرسلوه إلى سجن تدمر العسكري في منتصف عام 1980 بعد مجزرة تدمر الشهيرة، والتي حصلت بتاريخ 27/6/1980م.


في سجن تدمر:
‏عندما نذكر الأخ محمد جمال نذكر معه الجرأة، والشجاعة، والإقدام في سبيل خدمة إخوانه في المهاجع التي تنقل فيها خلال وجوده في سجن تدمر.
ومنذ اليوم الأول من دخوله سجن تدمر، وبعد حفلة الاستقبال التي يقوم بها زبانية سجن تدمر من تعذيب، وتنكيل بالسجناء، كان نصيب الأخ محمد جمال أن يدخل إلى المهجع رقم /26/ وأن يُعيٌن فيه رئيساً للمهجع، وهذا يعني أنه سيكون واجهة المهجع أمام إدارة السجن، وهو المسؤول الأول عن كل ما يجري في المهجع، ويجب أن يكون مرابطاً بشكل دائم عند باب المهجع، ليرد على أوامر وتعليمات السجانين، سواء لإدخال الطعام، أو للتنفس، أو للحلاقة، أو للحمام، أو لأي أمر طارئ يُفتَح فيه باب المهجع. وفي كل مرة يتعرض فيها رئيس المهجع للضرب، والسب، والإيذاء بكل أنواعه وأشكاله.
‏وكثيراً ما يُطلب من رئيس المهجع أن يخرج المشاغبين من السجناء للعقوبة، ولكن محمد جمال كان يرفض رفضاً قاطعاً أن يخرج أحداً من إخوانه إلى العقوبة، ويقول: ليس عندي مشاغبين.. وهذا يعني أن العقوبة ستنزل به هو بدلاً من المشاغبين ضرباً بالسياط، وركلاً بالأرجل، وغيرها من فنون العقوبة، والتعذيب..


سُنَة طيبة:
ومما يُذكر من أعماله الطيبة في المهجع /26/ أنه إذا علم بوجود مريض، كان يحث ويشجع الإخوة في المهجع على التبرع بجزء من طعامهم لصالح هذا المريض حتى يقوى جسمه، ويقاوم المرض الذي فيه، على الرغم من شدة الحاجة، وضآلة نصيب كل واحد من الطعام المخصص له.


يقول الأستاذ محمد سليم حماد في كتابه (تدمر.. شاهد ومشهود) صفحة (108):
(ومما لا يُنسى من مشاهد الأمراض والأوبئة، التي دهمتنا قصة أخ من حمص اسمه عبد المعز العجمي. أصابه مرض اليرقان الكبدي عام 1982، وأشرف على الموت بسببه، وجعل الأخ محمد جمال أبو الفضل رحمه الله يجهد نفسه ويجهدنا، في توفير كمية من الطعام من نصيبنا، وكان رحمه الله أول من سن هذه السنة الطيبة في إيثار المرضى، على شدة حاجتنا، وضآلة نصيبنا من الطعام، وجعلنا ندعو للأخ، ونسأل الله له الشفاء، وسبحان من استجاب، ومنَ على الأخ بالشفاء، فلم يمض شهر حتى قام بيننا صحيحاً معافى).

في المهجع /14/:
‏انتقل الأخ محمد جمال بعد فترة إلى المهجع /14/ ولم يكن حينئذ رئيساً للمهجع، وإنما كان سجيناً عادياً في المهجع، وهنا تفرغ لخدمة إخوانه بكل ما يستطيع من قوة، سواء في إدخال الطعام، أو توزيعه، وفي تنظيف المهجع، وخدمة المرضى والمصابين..


‏نموذج من تضحيته بنفسه رغم المرض:
‏خرج الأخ محمد جمال يوماً لإدخال الطعام مع مجموعة من السجناء، وتسمى (سخرة الطعام)، وهذا الأمر يحتاج إلى قوة، وسرعة فائقة في الحركة، لما يحيط به من هول، ورعب، بسبب الضرب المبرح، الذي يتعرض له السجناء أثناء إدخال الطعام، فرُب ضربة طائشة بالسوط، أو ركلة بالأرجل من السجانين تكون سبباً في تشويه الأخ السجين بفقد سمعه، أو بصره، أو تكون سبباً بالشلل، وربما الموت أحياناً.. لأن السجان عندما يضرب السجين لا يبالي إن جاءت الضربة على الوجه، أو على القلب، أو الصدر، أو أي منطقة حساسة في الجسم.. وكم من الشباب ماتوا، واستشهدوا من خلال هذه الضربات العشوائية.
‏ومرة خرج الأخ محمد جمال مع سخرة المهجع لإدخال الطعام، فلما دخل إلى المهجع تمدد على الأرض، وهو يلهث من التعب، ويتنفس بصعوبة، وقد تصبب العرق منه، واحمر وجهه، فجاءه الدكتور أبو ماهر - المسؤول الصحي في المهجع - وهو سجين مثلنا- فلما رأى الأخ محمد جمال على هذه الحالة من التعب والإرهاق، قال له معاتباً: سامحك الله يا أبا الفضل ألم أقل لك مراراً إنك ممنوع من الطلعة مع السخرة لإدخال الطعام. ثم التفت إلينا المسؤول الصحي، وقال: يا جماعة ترى أبو الفضل مريض وعنده كيس (كتلة) بجانب القلب، وممكن لا سمح الله تنفجر هذه الكتلة في أي لحظة، ولا يجوز أن يتعب، أو يرهق نفسه.. فالتفت أبو الفضل إلى المسؤول الصحي وقال له: سامحني يا دكتور، والله خرجت مع السخرة، ونويتها على نية الشفاء..


‏ملاطفته لإخوانه في المهجع:
‏كان الأخ محمد جمال حريصاً كل الحرص على مداعبة إخوانه، وإدخال السرور إلى نفوسهم، وخاصة بعد حفلات التعذيب الشديدة أثناء التنفس، أو الحمام، أو الحلاقة وغيرها.. فيحاول جاهداً أن يغير الأجواء في المهجع، من حزن، وهم، وغم.. إلى شيء من الفكاهة، والمداعبة، والمزاح حتى يراهم مبتسمين مسرورين.
‏فمما كان يفعله في على سبيل المثال: أنه كان يجمع أحياناً ما تبقى من فتات الخبز اليابس، فيجعله في إناء واحد، ويأتي بالبصل ويضع عليها قطرات من الخل، ثم يخلطها، ثم يأتي وينادي أفراد المهجع، ويقول: يا جماعة اسمعوني جيداً هناك فتة مهذبة في الداخل، فهلموا إليها رحمكم الله، ولا تضيعوا على أنفسكم هذه الفرصة الذهبية..
وكان الشباب في المهجع يقومون بالفعل، ويأكلون لقيمات من هذه الفتة، ويرونها طعاماً لذيذاً طيباً، وخاصة في أيام الجوع الشديد.
وكان رحمه الله إذا جلس على مائدة الطعام وفيها اللبن، يقول ممازحاً إخوانه: دعونا نبدأ بأشرف المواد، ويقصد اللبن.

في ذكرى الحركة التصحيحية:
‏أذكر مرة جاء السجانون في الصباح وقالوا: جميع المهاجع يجب أن تحتفل هذا اليوم، وتهتف للرئيس حافظ أسد، وبعد دقائق بدأ السجانون يتجولون بين المهاجع، ويهددون، ويتوعدون أهل المهاجع التي لا ترفع أصواتها بالهتاف، والتصفيق للرئيس. وكان الناس مضطرين للهتاف بصوت عالٍ خوفاً من التنكيل، والتعذيب الذي ينتظرهم..
‏وفي هذه اللحظات رأيت الأخ محمد جمال يصول، ويجول بين السجناء في المهجع، يقول لهم رددوا معي، ولما اقتربت منه سمعته يردد بصوت عالً أبياتاً من أرجوزة (جوهرة التوحيد) في العقيدة الإسلامية، ومنها:

الحمد لله على صِلاته ثم سلام الله مع صلاته
على نبي جاء بالتوحيد وقد خلا الدين عن التوحيد

فقلت له يا شيخ جمال انتبه.. الله يرضى عليك ربما يسمعوا هذا الكلام، فقال لي: صلٌ على النبي يا شيخ حسن إنهم حمير، لا يفهمون مثل هذا الكلام ورفض أن يهتف ولو بكلمة واحدة للرئيس آنذاك.


زيارة أمه له في سجن تدمر:
جاءت أمه مرة تزوره في سجن تدمر، وكانت مقيمة بالسعودية، وأنفقت المال الكثير حتى استطاعت أن تحصل على إذن بزيارة ولدها محمد جمال، بعد أن فارقها منذ سنوات طويلة، فلما أرادت أن تتركه وتنهي الزيارة، قال لها: أعطني كل ما معك من المال، والهدايا، حتى هذه الساعة التي بيدك. وفعلاً أعطته كل ما تملك في تلك اللحظة حتى الساعة التي بيدها.
‏ولما سألناه لماذا أخذت منها كل شيء، فقال رحمه الله: هم خارج السجن يستطيعون أن يدبروا أمورهم، بينما نحن هنا محرومون من كل شيء. وقد أنفق على إخوانه كل ما جمعه من أمه من لباس، وهدايا، وطعام، وغيره..
وأما الساعة التي كانت بيد أمه، فكان يلبسها في أوقات الراحة، يتذكر أمه ويدعو لها.
‏ولما كان اليوم الذي نادوا فيه اسمه للإعدام، جاءني، وقال: يا أخ حسن هذه ساعة أمي أدعها عندك أمانة، فإذا خرجتَ من السجن إن شاء الله تعيدها إلى أهلي، وتخبرهم بأمري.. لكنني اعتذرت منه في البداية، وقلت له: يا أخ جمال أعطها لغيري ممن يغلب على ظنك أنه سيخرج من السجن، ويطلق سراحه إن شاء الله، أما أنا فحالي كحالك مهدد في كل لحظة بالإعدام. فقال لي: اسمع مني وضع هذه الساعة عندك، فإذا أطلق الله سراحك تعيدها إلى أهلي، وإذا كتب الله لك الشهادة فأعطها لأي شخص يغلب على ظنك أنه يوصلها إلى أهلي. وفعلاً فقد أطلق الله سراحي في عام 1995م، وأوصلت الساعة إلى أهله بواسطة الأخ الفاضل محفوظ كمال حفظه الله.


‏في صبيحة التنفيذ:
‏لما كان يوم استشهاده رحمه الله، جاء السجان في الصباح، وفتح النافذة التي في الباب، وكنا حينئذ في المهجع /14/، وقرأ عدداً من أسماء المحكومين بالإعدام، وكان من بينهم الأخ محمد جمال رحمه الله، لكن السجان أخطأ في قراءة الاسم، فبدلاً من أن يقرأ الاسم (محمد جمال فضيل عيار)، قرأه بشكل خاطئ، وقال: (محمد جمال فيصل عمار)، ثم تابع السجان طريقه يدور على بقية المهاجع، فلم يجد شخصاً بهذا الاسم. هنا وقف الأخ محمد جمال، وقال لنا: يا جماعة الخير ترى هذا اسمي، وأنا المقصود، ولكن السجان أخطأ في قراءتي اسمي.. ثم قرع الباب وقال للسجان: هذا الاسم المذكور هو أنا، وعرّفه على اسمه الصحيح، ففتح السجان الباب، وأخذ معه الأخ محمد جمال معصوب العينين، ومضى به إلى إدارة السجن، ولكنهم لم ينفذوا الحكم في نفس الوقت، وكانت يومها دفعة الإعدام كبيرة، وتأخر تنفيذ الإعدام عدة ساعات، حتى فرغوا من إعدام الدفعة كاملة، ثم تأكدوا من اسم الأخ محمد جمال، ونفذوا فيه الإعدام بعد عدة ساعات، وسمعنا صوته رحمه الله، وهو يصيح بأعلى صوته: الله أكبر ولله الحمد.
‏ومما يذكر في يوم استشهاده رحمه الله، أنه عندما نادوا اسمه للإعدام قام فتوضأ، وصلى ركعتين سنة الشهادة، ولما فرغ من الصلاة، رفع يديه إلى السماء بالدعاء، وطلب من الله أن يتقبله شهيداً في سبيله.
ثم أقبل علينا، وقال: أعطوني إبرة وخيطاً، حتى أخيط وأصل السترة مع السروال، لكيلا تنكشف عورته رحمه الله، وكان من عادة السجانين أنهم إذا فرغوا من إعدام الشباب، ينزلونهم من أعواد المشانق، ويجرونهم على الأرض كما يجر أحدهم كيس البطاطا، أو كيس البصل، فربما انكشفت عورات بعضهم، ثم يرمونهم في سيارة (الزيل) العسكرية، ويجعلونهم أكواماً فوق بعض في صندوق السيارة.


‏خطبته قبل الخروج للشهادة:
لما فرغ من صلاة سنة الشهادة، وفرغ من الخياطة، ووصل السترة مع السروال، وقف محمد جمال والبسمة تملأ وجهه، وقال: يا جماعة الخير اسمعوا كلامي جيداً:
هنا أنصت جميع الأخوة الذين في المهجع، وكانوا يتجاوزون المئة، وأغلبهم كانت عيونهم تفيض بالدموع حزناً، وفرحاً.. حزناً على فراق الأخ محمد جمال، وفرحاً له بالشهادة في سبيل الله، ثم قال لنا رحمه الله: (الآن تأكد لي أننا على طريق الحق، فقد قال لنا شيخنا ومسؤولنا في الدعوة يوماً، يا إخوتي: إن هذا الطريق طويل، ونهايته إما النصر، وأما الشهادة في سبيل الله. وأنا الآن زاد يقيني، وإيماني أننا على طريق الحق، وأنا اليوم ألقى ربي شهيداً إن شاء الله، وإن النصر لهذا الدين قادم بإذن الله.
‏ثم ختم حديثه معنا - كعادته دائماً بشيء من الدعابة والفكاهة- وقال: يا جماعة الخير أنا اعتباراً من اليوم وحتى أسبوع ما رح تشوفوني لا بالمنام، ولا في اليقظة، وربما تسألوني لماذا؟. أقول: لأنني سأكون مشغولاً في هذه الفترة، وسأنزل بأول سدر (صينية) من الكنافة المبرومة، وما راح أطلع منه إلا بعد جمعة كاملة، فاسمحوا لي ما راح أشوفكم ولا راح تشوفوني.
ثم قال رحمه الله: يا إخوان تعالوا نتعاهد فيما بيننا، أنه من يسبق منا إلى الجنة، يأخذ بيد أخيه الذي تأخر عنه، ويدخله الجنة معه.
ثم رفع يديه إلى الأعلى، وطلب السماح من الجميع، وقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، لقاؤنا في الجنة إن شاء الله.
رحمك الله أخي محمد جمال أبا الفضل رحمة واسعة، فقد كنتَ خير رفيق في درب الدعوة إلى الله، وأوفى صاحب في الصبر على مرارة السجن وعذابه، نذرتَ حياتك لدينك، وصدقتَ مع الله، فصدقك الله، ومنحك الشهادة في سبيله.. أسأله جل جلاله أن يجمعنا بك في الفردوس الأعلى مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.


بقلم: حسن ياقتي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين