رحم الله الشيخ الوالد الشيخ محمد التاجي

رحم الله الشيخ الوالد الشيخ محمد التاجي

التصنيف: علماء دعاة مربون
الجمعة، 12 شعبان 1447 هـ - 30 جانفي 2026
18
محمد محمد تاجي...
محمد محمد تاجي...
الميلاد :1915- الوفاة :

لعلّي لا أوفّي الوالد حقّه في التّعريف، وهل يستطيع ولد أن يفي بحقّ والده في تعريفه للنّاس، فإنه إن قال ما يُكنّه له في قلبه من احترام وإجلال وإعجاب كان ثقيلا على سمع النّاس وقلوبهم فإن في مدح الوالد والولد مدحا للنفس ومدح الإنسان نفسه ممجوج عند السّامعين، فلذلك سأختصر ما استطعت من كلمات الإطراء وأكتفي بالوقائع والنّقول..

(( مولده ))
هو محمّد بن محمّد تاجي أبو راغب، ولد رحمه الله تعالى في عام ١٩١٥ للميلاد الموافق لعام ١٣٣٢ لهجرة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ، في بيتنا بحيّ القنوات ، في الحارة الّتي كتب فيها ابنُ عابدين رحمه الله تعالى حاشيته المشهورة ، وتلقّى تعليمه الأوليّ على يد والدته فاطمة رحمها الله تعالى الّتي كانت معلّمة للقران الكريم ، وتُسمّى في عرف تلك الايام (الخوجا) وهي لفظة عثمانيّة تعني : الأستاذ أو الأستاذة.
ثمّ حفظ كتاب الله تعالى، وقرأه على الشيخين الجليلين الشيخ عزّي العرقسوسي والشيخ محمود فايز الديرعطاني رحمهما الله تعالى، وطلب العلم وحضر الدّروس عند مشايخ عصره ومنهم كما ذكر لي: الشيخ أحمد النويلاتي والشيخ أحمد الصّوفي، وكذلك داوم عند الشيخ علي الدقر رحمه الله تعالى ، وكان يحبّ الانتساب إليه وإلى جماعته هو وجدي والده رحمه الله تعالى ، وحضر الدرس العام لعلاّمة عصره المحدّث الشيخ بدر الدين الحسني.
ولم ينقطع عن حضور دروس العلم، حتى بلغ من العمر عتيا، فحضر في حال كهولته عند شيوخ كرام منهم من يتقدّمه عمرا، ومنهم من يصغره، مثل : الشيخ الطبيب المفتي أبو اليسر عابدين والشيخ المفتي عبد الرزاق الحمصي والد الشيخ هشام والشيخ جميل الخوام والشيخ محمود الحبال والشيخ ابراهيم اليعقوبي رحمهم الله جميعا.
وأخذ الطريق عن الشيخ محمد بن يلّس التلمساني الجزائري المغربي الشاذلي وكذلك عن الشيخ محمد أمين كفتارو النقشبندي، وكان له اعتقاد كبير في الشيخ محي الدين بن العربي، وفي الشيخ يحيى الصباغ.
ومن خلال أنشطته الجانبية استطاع أن يُكوّن رأس مالٍ مقبول، استثمره في تجارة أسهم الشركات الرائجة في زمانه، كشركة الخماسية والاسمنت والسكر، وكذلك في تجارة البيوت وتأجيرها وبيعها بالأقساط لمحدودي الدخل من أهل دمشق.
كان إلى جانب عمله في التّجارة يحبُّ المساجد ، بل تعلّق قلبه بها فكان يقضي فائض وقته كلّه في المساجد العامرة بالعلماء الذين ذكرت أسماءهم في البداية ، ثم عُيّن مؤذنا في جامع الدرويشية في العام ١٩٣٧ واستمر في الوظائف الدينية وترقّى إلى أن صار إماما في جامع عيسى باشا وجامع أبي هريرة ثم جامع التعديل في حيّه حيّ القنوات واستمر إماما فيه أكثر من أربعين سنة متوالية كان يعلّم قبلها وخلالها القران الكريم والفقه الحنفي والحديث والسيرة والتفسير لأولاد وشباب ورجال الحيّ وفي كثير من البيوت وتخرّج عليه كثير من الشباب المتديّن حيث كان يقتصر في تعليمه على مبادئ تلك العلوم

((شخصيته ))
قضيت غالب عمري ضمن بيئة فاضلة من الشيوخ والقراء والفضلاء من أهل الصلاح والتقى بسبب صحبتي ومرافقتي للوالد في كثير من أنشطته، ثم بما أكرمني الله به من ورودي حياض أهل الفضل من أساتذة وطلاب جماعة زيد حماهم الله وحفظهم ورحم من سبقنا منهم فقد دلفت إلى ذلك المسجد المبارك ربيع عام ١٩٦٦ بتشجيع من والدي وعمي الشيخ موفق رحمه الله تعالى ،ولعلَّ الوالد رحمه يكون على رأس الأشخاص الذين تأثّرت بهم وبسلوكهم وشخصيتهم ، تمنّيت ولا زلت أن أكون شبيها به في كل أحواله وسأذكر بعضاً منها لعلَّ أبناءنا وأحفادنا ومن يحبُّ أن يقتفي آثار الصالحين يجد فيها ما يستحق الاقتداء والاستحسان.
١. الرحمة وكانت تظهر في أفعاله وأنشطته، من ذلك ما رأيته منه مرارا وتكرار فقد كان ملّاكا لعديد من البيوت الشعبية وكان يؤجرها للعمال وصغار الكسبة ممّن لا يجد ثمن بيت، وكان إيجار البيت تلك الأيام بحدود ٢٥ الى ٤٠ ليرة سورية أي ما يقارب ٢٠ بالمئة من راتب صغار الكسبة والعمال، ولكنهم كثيرا ما يعجزون عن سداد أجرة البيوت للوالد فيأتون إليه يشكون حالهم وعجزهم، فلا يغادرون إلا وقد أمهلهم ووضع شيئا جيدا من المال في أكفهم أو جيوبهم بدلا من أن يقبض منهم.
٢. الحزم وقد يرى البعض هذه الصّفة مناقضة للرحمة ولكنّها في الحقيقة هي ضابطة لها فقد كان الواحد منا لا يستطيع أن يتجاوز حدوده أو يقصّر في واجب من واجباته إلا ويرى من أبيه رحمه الله وجها غير الذي اعتاده حتّى يرجع إلى الجادة والصّراط المستقيم.
٣. الدُّعابة وحبّ النّكتة فكان مجلسه لا يُمَّلُّ من حديثه وتقليبه وتنويعه، فمن النكتة إلى الدعابة إلى القصة المضحكة، وقد كان يحفظ كتاب نوادر جحا الكبرى عن ظهر قلب، إضافة إلى كثير من القصص المضحكة ذات العبرة والفائدة ويؤدي ذلك بطريقة تعبيرية يستخدم فيها طبقات الصوت ولغة الجسد.
٤. الحرص على تربية أولاده على خصال كان يركّز عليها وأخصّها الصّدق والمحافظة على الصّلاة وعدم الدخان وحفظ الأمانة والاعتناء بعلم النّحو واللّغة العربيّة ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم صلة الرّحم وبرّ الوالدين والصّدقة، ودائما يذكّرنا بهذه المعاني ولم يكن يهتمّ كثيرا لأمر دنيانا.
ولكم وكم ردّد على مسامعنا: (ما قدّر لماضغيك أن يمضغاه لابدّ أن يمضغاه. ويحك كله بعز ولا تأكله بذلّ. إنّ روح القدس نفث في روعي أنّ نفسا لن تموت حتّى تستوفي رزقها وأجلها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب)
وأما الدخان، فكان بينه وبينه عداوة دينية فلا يحبّه ولا يحبّ قرب من يتعاطاه، ويقول في دعائه: اللهم عافنا من الجنان ومن كل حيوان ومن شرب الدخان وإذا رأى سيكارة في يد من له عليه دالّة يقول له ألقِ هذه الملعونة من يدك.
وأمّا الصّلاة وفي المسجد فكم كان بينه وبيني وأنا صغير من جولات وقتلات جزاه الله خيرا على كل ضربة فيها.
٥. محبّته لخدمة الفقراء وإكرامهم والسّعي عليهم ولهم من توزيع الخبز شهريا عند الخبّاز أبي أنور الريحاوي إلى المواد الغذائية إلى اللحوم وكم شَغَّلَنا وشَغَّلَ نفسه عتالينَ في إيصال هذه المواد إلى بيوتهم فكان يحمل (سكا في اليمين وسكا في الشمال ويُحمّلني أو أخي مثل ذلك، ونمضي من بيت إلى بيت ليسلّم ذلك لمستحقّه ويموّل ذلك أحيانا من جيبه وأحيانا من أهل الخير الذين كانوا يثقون فيه.
٦. الكرم بالطّعام والحلوى كان يكرّر علينا قول الله: {لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبون} ويقول: انا أحبّ الحلوى لذلك أوزع منها دائما على الكبار والصغار والمصلين في مسجده، وكم عانت والدتي من محبته لإطعام الطعام، فكان إذا أتى البيت قبل صلاة الظهر وشمّ رائحة الطبيخ الطّازج الشهيّة قال لها : أتأذنين أن آتي بضيفين معي على الغداء ؟
فلا تملك إلا أن تنعم له بذلك، فإذا انقضت الصلاة في مسجده قرب بيتنا، وسمعت صوت مفاتيحه الكثيرة عند فتح الباب تنظر من الأعلى إلى مدخل بيتنا العربي، وتبدأ العد "واحد تنين تلاته أربعة خمسة ستة " وهكذا فتضرب على رأسها وتشكو أمرها لربها ويُسْقَطُ في يدها فقد طارت الطبخة، وبقي الأولاد التّسعة والجدّة على البقايا والحواضر، ويتمثّلُ في هذه السّجية بسيدنا إبراهيم عليه السلام أبي الضيفان وبالشيخ سليم المسوتي رحمه الله تعالى.
٧. التّعفّف عمّا ليس له وحتّى من مكاسب أولاده صغارا وكبار فلا أذكر أن والدي رحمه الله تعالى قد رَزأني شيئا من مكاسبي حالة الصغر من أجرتي في الصّيف أو العيادي أو حتّى عندما كنت أساعده في الأذان أو الإمامة أو خدمة المسجد، كان يعطيني ما يعادل أجرة ذلك العمل الّذي قمت به وإذا ادخرت معه بعضا من خرجيتي أو العيادي أو بعض ما يعطيني من أجور كان يصحح كسورها لصالحي وكذلك يفعل مع إخوتي حفظهم الله تعالى.
٨. الحرص على أداء واجبه على أتمِّه دون تقصير أو تأجيل وكم كان جامع الدرويشية وجامع التعديل هَمَّا ثقيلا عليه وعلى إخوتي من جهة العناية به والبقاء فيه ولا أذكره قد هَنِئ بنزهة أو سياحة أو حتّى عُمرة إلا وقلبه على مسجده وواجبه فيه فكم نزهةٍ قطعناها وسفرةٍ اختصرناها لأنَّ الوالد لم يكن يرتاح إلا أن يكون في المسجد أو قربه.
٩.التعلّقُ بالمسجد وخاصَّة في العشرين الأخيرة من عمره فقد كان يطمع أن يأتيه أجله في محرابه فلا يحبُّ مغادرة المسجد حتّى يعود إليه وكم كرّر على مسامعنا: ورجلٌ قلبه معلَّق بالمسجد إذا خرج منه حتّى يعود إليه وكم ردّد أمامنا أنا نزهتي وسيراني في المسجد
١٠.حبّه للقرآن الكريم وكثرة تلاوته له ، فقد لزم الوالد رحمه الله مجلس إقراء الشيخ عز الدين العرقسوسي رحمه الله تعالى، وهو أحد شَيْخَي سيدنا أبي الحسن في القراءة منذ أربعينيات القرن الماضي، ثمّ استمرّ في الدوام فيه بعد وفاة الشيخ رحمه الله وتسلّم المجلس من قِبَل الشيخ خيرو ياسين ثمّ استلمه الوالد فترة، ثمّ قام به الشيخ يوسف أبو ديل ولم ينقطع عنه حتّى توقّف بموت أغلب رجاله طلابِ الشيخ عزي رحمه الله تعالى. وكان ورد والدي من القرآن لا يقلّ عن خمسة أجزاء في اليوم وعندما يكون في العمرة كان يقرأ [في كل يوم ختمة كاملة] ويأبى طيلة النّهار أن يتناول شيئا حتى لا يضطر إلى إعادة الوضوء فيذهب للمسجد فجرا ونعود بمعيته بعد العشاء.
لعلي قد أكون أطلت قليلا في سرد ما امتازت به شخصيته وطريقة حياته، فأتوقّف هنا وأكتب ما بقي في ذهني لنفسي ولذريته وأحفاده لعلّهم يرون في جدهم مثالا يقتدى وأسوة حسنة

(( وفاته ))
أتمّ الوالد رحمة الله عليه قرنا هجريا كاملا في هذه الحياة الدنيا، نادرا ما ذهب فيها لطبيب أو لمشفى وكان القرآن والدعاء شفاءه واستشفاءه وحين اشتداد الأحداث صار من الصعب عليه الذهاب إلى المسجد بسبب الحواجز والحوادث وغيرها فلزم بيته مكرها وبدا ذبول ذلك الجسد وتلك الروح لبعدها عن مغناها وما تعلّق قلبه به وعافت نفسه الطّعام والشّراب طيلة فترة شهر ونيف حتّى وافاه أجله صباح أحد أيام شوال نسأل الله له الرحمة والرضوان.


بقلم ولده الشيخ تاج الدين تاجي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين