
لقد سمعت عن أساتذتي الأجلاء كثيراً حينما كنت طالبا في صف التخصص وقبله يذكرون العلامة المحدث الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله ذكرا مضمخا بالعبير ويتذاكرونه وأعماله الكبار الحديثية بحب وتقدير فائق، فكنت أحبه ولم أره ولم أقرأ عن مؤلفاته وتحقيقاته، ولكن كانت أمنيتي الغالية أن أتعرف به أكثر ، فقرأت من تحقيقاته بعض الكتب مثل : «الرفع والتكميل في الجرح والتعديل» للعلامة المحقق عبد الحي اللكنوي مع التعليقات القيمة الحافلة باللآلي والدرر للشيخ العلامةأبو غدة، فازددت به تعلقاً وإعجاباً، وكذا قرأت «الأجوبة الفاضلة»، و«قيمة الزمن عند العلماء»، و«صفحات من صبر العلماء»، فرأيت العجب العجاب والكنوز الثمينة أودعها في كتبه وتعليقاته.
ولما وضحت لي ملامح من سيرته وقرأت ترجمته التي كتبها تلامذته النبغاء، ومحبوه تيقنت أنه رجل مثالي وعالم رباني وداع حنون ومحقق مجيد ومرب حکیم کما يظهر من خلال البحث في سيرته العطرة.
نبذة موجزة عن حياته
هو العلامة المحدث الفقيه المحقق الشيخ عبد الفتاح بن محمد بن بشير أبو غدة. ولد ـ رحمه الله ـ في مدينة حلب بسورية سنة ١٣٣٦هـ، ١٩١٧م. ودرس في المدرسة العربية الإسلامية الخاصة الدراسة الابتدائية ودرس في المدرسة الخسروية التي أنشأها خسرو باشا بحلب من عام ١٩٣٦ م حتى عام ١٩٤٢ م.
درس على الشيخ محمد راغب الطباخ وعيسى البيانوني وإبراهيم السلقيني الجد والشيخ مصطفى الزرقاء رحمهم الله تعالى وغيرهم، ثم دخل كلية الشريعة في الجامع الأزهر بمصر في عام ١٩٤٤ م، ودرس على الشيخ محمود خليفة ومحمد خضر حسين وعبد الحليم محمود ومحمود شلتوت، وقد تولى الثلاثة الأخيرة مشيخة الأزهر فيما بعد.
ودرس خارج الأزهر على الشيخ عبد الله بن الصديق الغماري، وحضر محاضرات الأساتذة عبد الوهاب خلاف ومحمد أبو زهرة وعبد الوهاب حمودة رحمهم الله.
وكان له تلمذة خاصة لشيخ الإسلام مصطفى صبري، ولوكيل شيخ الإسلام الشيخ محمد زاهد الكوثري رحمهما الله، ولازمهما لمدة ست سنوات ملازمة تامة.وتخرج في عام ١٩٤٨ حائزاً على الشهادة العالية من كلية الشريعة. ثم درس في تخصص أصول التدريس في كلية اللغة العربية بالجامع الأزهر لمدة سنتين، وتخرج سنة 1950م.
وبعد عودته إلى سورية عمل مدرساً بوزارة المعارف لعام 1951م، ودرس لمدة إحدى عشرة سنة في ثانويات حلب مادة التربية كما درس العلوم الشرعية المختلفة في المدرسة الشعبانية والثانوية الشرعية التي تخرج فيها وألف خلالها ستة كتب دراسية للمرحلة الثانوية بالاشتراك مع الأستاذ الشيخ أحمد عز الدين البيانوني رحمه الله تعالى.ثم انتخب عضواً في المجلس النيابي بسورية في سنة ١٩٦٢ م، ثم انتدب للتدريس في كلية الشريعة بجامعة دمشق فدرس فيها لمدة ثلاث سنين الفقه الحنفي وأصول الفقه والفقه المقارن بين المذاهب.
رحل لمدة نحو ثلاثة أشهر رحلة علمية شخصية خاصة إلى الهند وباكستان سنة ١٣٨٢ ه ١٩٦٢م، والتقى بأجلة الشيوخ في تلك الديار مثل الشيخ المفتي محمد شفيع وأبو الوفاء الأفغاني والمفتي عتيق الرحمن وغيرهم.وفي سنة ١٣٨٥ هـ تعاقد مع كلية الشريعة بالرياض التي غدت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية لاحقاً، ودرس فيها وفي المعهد العالي للقضاء ، ثم درس نحو عشر سنوات في الدراسات العليا في كلية أصول الدين من الجامعة نفسها للحديث الشريف وبقي فيها لمدة ثلاث وعشرين سنة .ثم تعاقد مع جامعة الملك سعود بالرياض فدرس علوم الحديث في كلية التربية لمدة سنتين لطلاب السنة الأخيرة، ثم تقاعد عن التدريس في عام ١٤١١هـ .
وانتدب أستاذاً زائراً في جامعات اليمن والسودان وندوة العلماء بلكنو، وشارك في مؤتمرات وندوات كثيرة جدا في سورية والعراق واليمن وقطر والمغرب والسودان والهند وباكستان وتركيا وأندونيسيا وأفغانستان وطشقند وسمرقند، وفي أوربا وأمريكا وكندا وغيرها .والأستاذ أبو غدة كان عضوا في المجمع العراقي في بغداد، وعضواً في المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، ونال جائزة سلطان بروناي لخدمة الحديث النبوي الشريف في عام 1415هـ وكان أول من منح الجائزة.
وأجهد الشيخ نفسه في نشر العلم وتحقيق الكتب النادرة وخدمة الحديث النبوي الشريف، وتوفي سحر ليلة الأحد التاسع من شوال سنة ١٤١٧هـ وصلى عليه جمع حاشد في الرياض ونقل جثمانه إلى المدينة المنورة، وصلي عليه بعد صلاة العشاء في المسجد النبوي الشريف، ودفن في البقيع بجوار سيدنا رسول الله ﷺ وبجوار أصحابه الكرام. رحمه الله رحمة واسعة.
أوصافه وأخلاقه
إن العلماء على تفاوت درجاتهم واختلاف مستوياتهم العلمية والعملية يعرفون بين الناس ويكسبون من ودهم وتقديرهم واحترامهم بمقدار ما يتحلون به من أخلاق فاضلة وخصائص مميزة وإنابة إلى الحق، وإن الناس يحبون العلماء ورجال الدين لا لأجل زيهم المبهرج أو ظواهرهم وأموالهم بل يحبونهم لما يرون فيهم من سمات بارزة تميزهم عن الآخرين.
إن الشيخ عبد الفتاح أبو غدة أيضاً كان من العلماء المخلصين الذين يعيشون للحق وبالحق، وأوصافه العالية تشهد بهذه الحقيقة. إنه كان محققاً يعيش في عالم الكتب، ويقضي ليله ونهاره بالتحقيق والتعليق والتصنيف وبقيت عنه مآثر خالدة في هذا المجال، ولكن مع هذا لم يغفل عن أحوال المسلمين وقضاياهم؛ بل كان تهمه أزماتهم ومعاناتهم لأنه كان عالماً يقظاً بصیرا بما یجری فی العالم، وكانت تؤلمه مآسي المسلمين وآلامهم. يقول العلامة أبو غدة: ولنأخذ مثل نور الدين الشهيد الذي كان يدني العلماء من مجلسه، ويقرأ الحديث في مجلسه كل يوم، وكان بين العلماء عمر بن بدر الموصلي صديقه، ولما احتلت الفرنجة دمياط كان في المجلس عمر بن بدر الموصلي يقرأ الحديث المسلسل بالتبسم، فطلب الشيخ من الملك نور الدين أن يتبسم ليتحقق التسلسل بالتبسم، فقال نور الدين: لا أتبسم! قال عمر: لماذا؟ فقال: كيف أتبسم ودمياط محاصرة بالفرنجة؟ !.
يقول الدكتور محمد علي الهاشمي: وهنا تأثر الشيخ عبد الفتاح وسالت دموعه. (الشيخ عبد الفتاح أبو غدة كما عرفته ص: ١٣٢–٣، للدكتور علي الهاشمي، دارالبشائر، ورجال فقدناهم، ٢/ ٨٩٠، دار ابن حزم.)وأيضاً رآه أحد الإخوان يوماً يذرف الدمع فسأله عن سبب بكائه، فأجاب: لم لا أبكي ولا أحزن، وهناك مئات من الأخوات في السجون، وكيف نأمن على أعراضهن وأحدنا لا يأمن أن يترك نعليه على باب المسجد؟. (الشيخ عبد الفتاح أبو غدة كما عرفته ص: ١٦٣).
هذا هو العالم الرباني الذي تزعجه وتوجعه آلام المسلمين وأحوالهم المحزنة، وكان قوالاً بالحق، ولا يخاف في الله لومة لائم، يقول الدكتور محمد رجب البيومي: کان بطلاً من أبطال حرية الرأي في دمشق وحلب وحين يجلجل صوته في المجلس النيابي داعياً إلى تطبيق الإسلام". (النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين: ٤/ ٢١٤) وحينما أصدر مرشحو الحزب السوري القومي بياناً انتخابياً أعلنوا فيه عن برنامجهم، جاء فيه عزمهم على فصل الدين عن الدولة. ولما صعد الشيخ أبو غدة على المنبر قال: هناك حزب له رئيس يدعى شقاوة يقصد (أنطون سعادة) أصدر بعض مرشحيه بياناً أعلنوا فيه عزمهم على فصل الدين عن الدولة! من الذي يستطيع فصل الدين عن الدولة؟ بل كيف يجرؤ هؤلاء أن يعلنوا فكرة فصل الدين عن الدولة من هذا البلد المسلم؟ ألم يعلم هؤلاء السفهاء أن الذي جعل الإسلام دينا ودولة هو الله تعالى خالق السموات والأرض؟.
وكان الشيخ يفند دعاوى العلمانية والتغريب، ويضيق المستبدون به ذرعاً وتصله تهديداتهم بين حين لآخر، فكان يجيبهم عليها بجرأة العالم المسلم الداعية المجاهد.
ولست أبالي حين أقتل مسلماً ** على أي جنب كان في الله مصرعي
أدبه وذكره
إن الأدب له مكانة سامية في حياة العلماء الموفقين، وكلما ازدادوا علما زادوا أدباً، وكان للشيخ عبد الفتاح نصيب أوفر من الأدب مع الله تعالى ومع خلقه، وكان يذكر الله تعالى أينما وجد فرصة، يقول قاطرجي: وأثناء اصطحابه رحمه الله في بعض الأحيان بسيارتي من الدخنة إلى مكان الدرس في العليا في الرياض كان رحمه الله إذا لم نتباحث بالعلم يلهج لسانه بالأذكار ولا يفتر عن الثناء على الله وتعظيمه. (الشيخ عبد الفتاح للهاشمي: ١٤٦–٧، باختصار) وكذلك كان متأدباً في كتاباته وأقواله وأفعاله، بل كان الأدب سجية له قد ترسخ في نفسه، وكذلك كان متأدباً مع الأساتذة وشيوخه الذين أخذ عنهم، ونهل من ينابيعهم كما كان دأبه مع أستاذه الكبير الشيخ مصطفى الزرقاء رحمه الله. يقول الدكتور فؤاد العريس: إن الشيخ رحمه الله عندما جاء إلى باريس طلبا للعلاج كان بصحبة شيخه العلامة فقيه العصر مصطفى الزرقاء، وكانا ينزلان في أحد فنادق باريس، فكان من أدب الشيخ رحمه الله ولطفه مع شيخه وخدمته له ما یدهش؛ ومن ذلك أنه كان يسابق شيخه للإتيان بنعليه وصفهما قرب سريره مع أنه كان في سن يقارب الخامسة والسبعين. (الشيخ عبد الفتاح للهاشمي: ٨٩٣.) وكذلك تكبد المشاق مع كبر سنه وضعفه، ذهب في باريس إلى لقاء العلامة محمد حميد الله الهندي الذي كان يؤثر العزلة، ويقيم مع كتبه للبحث العلمي في منزل متواضع، وذهب الشيخ أبو غدة إليه بعد أكثر من عشر سنوات يشكره على خدمة أسداها إليه، وهو أنه نسخ کتاب «الموقظة» للذهبي بقلمه وخطه ثم قابلها بالأصل وبعثها إلى الشيخ کي يحققه ويطبعه، فما أندر هذا الوفاء وما أعز هذه الأخلاق. (الشيخ عبد الفتاح للهاشمي: ٨٩٥، مع تصرف واختصار)
وكذلك كان الشيخ رحمه الله ذا ذوق رفيع في مظهره وملبسه، وكان يحب أن يرى كل شيئ في مكانه اللائق به کما قد صرح به عدد من العلماء، وكان يقول لمن يطوى الكتاب بخشونة ويحشوه بالأوراق: لا تجعل كتابك بوقاً ولا صندوقاً، ويقول لمن يخلع نعليه ويتركهما مبعثرين متفرقين: صف نعليك واجعلهما على طرف الجدار". (الشيخ عبد الفتاح للهاشمي: ١٦٢)
تواضع الشيخ رحمه الله
التواضع خصيصة بارزة للصلحاء ولاسيما للعلماء المخلصين، وقد تجلى هذه الميزة العظيمة في حياة الشيخ أبي غدة رحمه الله، وإن دل على شيء فلقد يدل على مكانته العليا وعلمه الجم، فنرى في تقريظ كتاب «رسالة المسترشدين للمحاسبي» الذي خدمه الشيخ خدمة جليلة أن مفتي مصر سابقاً الشيخ حسنين مخلوف كتب: «إلى أخي وصديقي الأستاذ العلامة المحقق الشيخ عبد الفتاح أبي غدة أدام الله توفيقه » فعلق الشيخ في أسفل الصفحة: قال عبد الفتاح: هذا من تواضع شيخنا وسمو أخلاقه العالية الرفيعة، فإني بمنزلة الوليد من الجد المجيد. (فاتحة رسالة المسترشدين للمحاسبي.) وهذا التعليق دليل على تواضعه وتحاشيه عن التوسع في الألقاب، ولذلك بکی وخجل حينما شبهه الشاعر محمد ضياء الدين الصابوني بأبي حنيفة في قصيد ته التي ألقاها في حفل تكريمه في دار عبد المقصود خوجه، وقد عقب عليها الشيخ بقوله: هذا شيء لا يبلغ قدري أن أكون ذرة رمل أو تراب في جنب أبي أحنيفة، أبو حنيفة (رحمة الله عليه) رحمة من رحمات الله عزوجل أهداها لهذه الأمة .... فأعتذر عن مثل هذه الكلمات التي وجهت في الحديث عني، نفسي لا تستطيع سماعها ولا قبولها. (الشيخ عبد الفتاح للهاشمي، ص: ١٧١–٢ مع الاختصار.) ولنعم ما قال بعض صلحاء الأمة: لأن أتعلم باباً من الأدب خير من أن أتعلم سبعين بابا من الفقه، وهذا شاهد صدق على تواضعه وأدبه مع سلف هذه الأمة، وهذا التواضع قد تسبب إلى أن يكون محبوباً معظما عند تلاميذه الكثيرين وعارفيه وتسبب له رفعته عند الله وعند الناس، وكما قال الدكتور محمد رجب البيّومي: «زملائه كانوا يتحدثون عنه مكبرين». (النهضة الإسلامية: ٤/ ٢١٤.)
مكانته
كان الشيخ (رحمه الله) محبوباً معظماً عند الجميع من أجل خصائصه المتميزة وأخلاقه العالية وتفانيه في العلم لا سيما علوم الحديث النبوي الشريف، ويقول عنه شيخنا المحقق الفقيه المفتی محمد تقی العثماني: إن العلامة المحقق الثبت المحدث الكبير الشيخ عبدالفتاح أبو غدة (رحمه الله رحمة واسعة) كان من العلماء الأفذاذ الذين قل أن يوجد مثلهم في تبحرهم العلمي وسعة الاطلاع ودقة التحقيق وجودة الفهم، وكل ذلك مع الورع والتقوى والحرص على اتباع السنة والخلق الدمث الكريم. (الهاشمي، ص: ١٥١.)
وكان العلماء والطلاب في شتى الممالك يستقبلونه بحفاوة ومحبة، وكان الشيخ الكبير القاري محمد طیب رئیس دارالعلوم بديوبند يجمع العلماء والطلاب عند مجيء العلامة عبدالفتاح كي يستفيدوا من نصائحه الغالية وكلماته النادرة. ( رموز تدريس و تربيت، ص: ٥١، مقال الشيخ عبد الرؤوف غزنوي.)
وقد قدر علماء المسلمين وعلى رأسهم الدكتور القرضاوي جهود الشيخ في خدمة الحديث الشريف فرشحوه لجائزة مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية في لندن على خدمة السنة النبوية المطهرة، وقد سلم الجائزة سلطان بروناي وحضر الحفل حشد كبير من العلماء والمفكرين والسياسيين. وقال الشيخ فيها: إن تكريمي تكريم للحديث النبوي الشريف وموقف حافز لكل فرد ليكون في خدمة السنة التي ترفع المملوك ليكون في مرتبة الملوک ". (الشيخ عبد الفتاح للهاشمي، ص: ٨٧.) ونظراً إلى مكانته السامية عند الجميع ولأسباب أخرى حينما توفي الشيخ (رحمهالله) اقترح الرئيس حافظ أسد إرسال طائرة خاصة لنقل جثمانه إلى حلب ليوارى فيها ونعاه بقوله: «مثل الشيخ عبد الفتاح يكرم حياً وميتا»، ولكن أهل الشيخ ومحبوه أثروا دفنه في البقيع بجوار المصطفى صلي الله عليه و سلم. (الشيخ عبد الفتاح للهاشمي، ص: ١٧.) وكان حقيقاً وجديرا بأن يكرم ويدفن بجوار حبيبه حيث أتعب نفسه وقضى حياته في خدمة سنته وكان جل اهتمامه واعتنائه بكتب الحديث الشريف وعلومه.
إنصافه واعتداله
إن دوافع النبل في نفس الشيخ عبدالفتاح ومطالعته الكثيرة الممتعة حيث قد سمي سوس الكتب حينما كان طالباً، كما قال الأستاذ الدكتور عبدالرزاق إسكندر رحمه الله عميد جامعة العلوم الإسلامية علامة بنوري تاون كراتشي السابق، وكذلك تجواله الكثير في مختلف الأقطار والممالك قد أثرت أثراً إيجابياً في اتجاهات الشيخ عبدالفتاح وآرائه، ورزق نظراً فسيحاً حول المسائل والعلماء.
يقول الدكتور محمد رجب البیومي عنه: إنه رزق انفساحاً في النظر واتساعاً في الأفق لم يجد معهما داعيا إلى التعصب لأستاذ دون أستاذ. (النهضة الإسلامية: ٤/ ٢١٤) ويقول عنه تلميذه حسن قاطرجي: المزية الرابعة: إنصافه واستفادته من الجميع، فهو غير متعصب إلا لما يريده صواباً ويحرص على أن يدور مع الحق والدليل حسبما يرى، ولذلك أخذ عن شيوخ متعددي المشارب العلمية. لكنه مع إنصافه لا يحابي في دين الله، ولكن بأدب جم وتواضع مع شيوخه وإخوانه وكالأسد الهصور مع أعداء الدين. فنجده يخالف شيخه العلامة مصطفى الزرقاء في بعض الفتاوى مع أنه شديد الاعتداد به والإعجاب بعقليته ونجده يخالف شيخه العلامة محمد زاهد الكوثري في جفوته لابن تيميه وابن القيم ويحقق رسالتين للأول وكتاباً للثاني بإعجاب بهما وثناء وترحم عليهما مع أنه (رحمه الله) يخالفهما في عدد من المسائل في الأصول والفروع ولا تخفى منزلة الكوثري عنده وأثره فيه، وحدثني مراراً عن بعض تساهلات العلامة الفقيه القرضاوي في فتاواه وأنه في أحد المؤتمرات رد عليه علنا في مسئلة مصافحة المرأة حيث يجيزها القرضاوي مع أنهما من مدرسة فكرية وحركية واحدة . (رجال فقدناهم: ٢/ ٨٨٦) كان (رحمه الله) يحترم الجميع ومحترماً عند الجميع من أهل الحق، لأنه كان يعذر مخالفيه في المسائل ولا يعاديهم؛ بل كان يتعاملهم بمنهج حسن، ولا يرى الحق مقتصرا علی نفسه ولا يرى الآخرين على الباطل، بل تحدث في مقدمة «رسالة في الإمامة في جواز الاقتداء بالمخالف في الفروع لابن حزم الظاهري» عن المظاهر السيئة للاختلاف بين المفكرين والعلماء في العصر الحديث، ونتائجه الوخيمة على الوسط العلمي ووحدة الأمة، مستشهداً بالواقع وبمقالات العلماء والمفكرين المخلصين، موضحا المنهج القويم ومسلك السلف من الأئمة والعلماء مبينا أن التشدد والإنكار في الأمور الخلافية بين علماء الأمة وأئمتها، وجعلها أسباب الموالاة والمعاداة، أمر مرفوض في الشريعة الغراء، وموضحاً أن السنة لا تكون في جميع الأمور على وجه واحد فحسب، بل كثيرا ما تتعدد وجوه السنة بحيث من اختار منها غير ما اختاره الآخرون لا يبدع ولايفسق ولا يضلل ولا يكفر بإجماع الأمة. (الشيخ عبد الفتاح للهاشمي، ص: ١٣٧)
لا شك أن أمثال هذه الاتجاهات الصادقة التي نشأت عن تفكر وتمعن ونظر في عواقب الأمور تخفف من وطأة الخلافات التي تسببت أزمات وتفرق بين صفوف الأمة المسلمة وعلى العكس الغلو والتطرف الزائد والإنكار الشديد في الأمور التي يسع فيها الاختلاف تمزق جمع المسلمين وتزرع الحقد والعداوة وتهدف وحدة الأمة الإسلامية.كان الشيخ عبدالفتاح ـ كما يحكي الشيخ محمد علي الهاشمي - يشدد النكير على الغلو والغالين، فإنه قال لسائل ادعى أمامه أن جماعة إخوان المسلمين تمثل جماعة المسلمين راداً قوله: إن جماعة المسلمين أنا وأنت وهذا الحداد وذاك الخباز و .... كل هؤلاء الناس هم جماعة المسلمين". (الشيخ عبد الفتاح للهاشمي، ص: ١٢٥.) وكان الشيخ عبد الفتاح يأمر بالالتفات إلى العمل البنّاء والجد، وينهى عن إضاعة الوقت والقيل والقال والانشغال بالصغائر وافتعال المعارك الجانبية. (الشيخ عبد الفتاح للهاشمي، ص: ١٢٤.)
وكان مع إنصافه ومجانبته عن المسائل الشائكة على جانب كبير من الحكمة والموعظة الحسنة، ولأجل هذا إذا لحظ أحد المصلين لا يعطي الركوع حقه سأله بلطف: هل تشتكي من ألم في الظهر؟ وإذا رأى عالماً على غير مذهبه يخالف المشهور مما عليه العمل، سأله برفق: هل عندكم في هذا الأمر شيء؟". (الشيخ عبد الفتاح للهاشمي، ص: ١٢٠.)
وكذلك ما كان الشيخ يثير المسائل الخلافية إلا إذا اضطر إليها، ولا يقوم بالدفاع عن نفسه إلا إذا جانب المخالفون له الصواب، ولأجل هذا يقول في مقدمة رسالته «كلمات في كشف أباطيل وافتراءات»: وبعد: فقد كتبت هذه الرسالة منذ ١٥ سنة وطبعتها في أوائل سنة ۱۳۹۴ هـ بمدينة الرياض، وكنت أقدمها لمن يطلبها مني فقط نظرا إلى أنه وقف على كتابة المعنيين بهذه الكلمات، ولا يقدمها لمن كان خالي الذهن من الموضوع لا يشغل الناس بي وبأولئك. (كلمات في كشف أباطيل وافتراءات، ص:٣ ، المقدمة للشيخ أبو غدة.)
ورعه:
إن حياة العلماء العاملين كلها علم وعمل ودعوة وورع وخدمة للخلق، وكذلك كان الشيخ عبدالفتاح ذا رعاية شديدة لأمور دينه وما يهمه في عقباه. يقول الدكتور محمد علي الهاشمي: وكان الشيخ لا يتساهل في كثير مما تطلبه النفس الإنسانية من المتع البعيدة عن روح الشريعة والحلال الطيب، ولذلك لا تراه جالسا إلى التلفاز، بل إنه لا تلفاز في بيته، احتياطاً من الوقوع في الإثم في بعض الأحيان. (الشيخ عبد الفتاح للهاشمي، ص: ١٥٣.) وكان يعتقد بكرامة الإنسان من حيث إنه إنسان وكان متورعاً في أفعاله وأحواله يحترس ويحتاط من أن يقع فيما نهى الشرع عنه. وهو في إحدى زياراته للهند طلب من أحد طلابه ـ وهو الدكتور محمد اجتباء الندوي ـ أن يصحبه إلى بعض المكتبات، فركب مركبة بثلاث عجلات يجرها إنسان. ولما تحركت المركبة قال مرافقه: الحمد لله الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وهو الدعاء الذي يسن قوله عند الركوب، فلما سمعه الشيخ هذا قال: لا، لا، الله لم يسخر لنا هذا الإنسان.فسكت المرافق وتأثر كثيراً ولم يدع بهذا الدعاء بعد ذلك في مثل هذه المركبة. (الشيخ عبد الفتاح للهاشمي، ص: ١٦٨.)
الصبر الدؤوب على العلم
إن العالم الرباني يواصل ليله ونهاره في طلب العلم والأدب والاغتراف من بحار العلوم المكنونة في زوايا الكتب وبطون الأسفار، ولا يعرف الكلل والملل، ويبذل جهدا كثيرا وراء ضالته المنشودة وهي الاستكثار من العلم و السهر على المطالعة والدأب في الطلب والاستزادة من المعارف كأنه ظمآن يبحث عن الموارد. وإن الشيخ عبدالفتاح وحياته العلمية ورحلاته الممتعة شاهد صدق على أنه كان من هذا الطراز الرفيع من العلماء الذين يهتمون بالعلم و الأدب أكثر من جمع المال والمناصب العالية، وكان العلم ألذ له وأشهى لهم من كل الملاذ الفانية. إنه رحمه الله يقول في "صفحات من صبر العلماء: «الكتب من حياة العالم تحل منه محل الروح من الجسد والعافية من البدن» (الشيخ عبد الفتاح للهاشمي، ص: ٢٥٦.)، وهو الذي باع قطعة نفيسة من المتاع ورثها من والده ليشتري بها كتاباً. (نفس المصدر، ص: ٣٠.) وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على حرصه الشديد على العلم واقتناء أسبابه حيث هان عليه المتاع كي يصل إلى بغيته ويقر به عينه بشراء الكتب. وهكذا قرأنا في سير السلف الماضين وشدة طلبهم للعلم. كذلك كان الشيخ مثالاً نادراً في العصور المتأخرة في هذه الخصيصة، حيث يقول: وكنت بعض الأحيان أنذر لله تعالى صلوة كذا كذا ركعة إذا حصلت على الكتاب الفلاني. (نفس المصدر، ص: ٣٠.) إن كثيرا من المعنيین بجمع الكتب من العلماء وطلاب العلم لا يحرصون على مطالعتها قدر ما يحرصون على شراءها وجمعها، و الكتب التي هي رأس مال العالم اللبيب ورمز وفائه بالعلم يجعلونها زينة لبيوتهم و رفوفهم، ولا يجعلونها غذاء لأبدانهم ومتعة لروحهم وزاداً لأمور دينهم، ولكن الشيخ عبدالفتاح قد أثبت أن الكتب هي كانت رأس ماله وكانت عزيزة لديه، يقرأها ويستفيد منها، ويقضي ليله ونهاره في بساتين الكتب يقطف ثمارها ويشم رائحتها العطرة، يقول الشيخ حسن قاطرجي: كثيرا ما كنت أدخل إلى غرفته والكتب التي يشتغل بها مفتوحة مفروشة مملوءة بها الغرفة. (رجال فقدناهم: ٢/ ٨٨٥.) وكان دوما يطالع ويحقق ويكتب ولا يتعب ولايمل؛ بل كانت المطالعة والقراءة راحته ونزهته، وكان يحسب المؤلفين والعلماء الماضين الذين يقرأ سيرتهم الزاكية ضيوفه. يقول تلميذه المحب الشيخ مجاهد شعبان رحمه الله : كان الشيخ عبد الفتاح لا يفارق الكتاب في حضر ولا سفر، حتى وإن كنا في السيارة داخل شارع البلدة... حتى أثناء السفر يطلب مني أن أقرأ داخل السيارة وأثناء توقفنا، حتى في المطعم والناس من حولنا. وكنت في كثير من الأحيان إذا طلبت منه الخروج من البيت للاستجمام بعد أن كان قد مكث فيه مدة من الزمن، يقول وهو يضحك : يا مجاهد ! عندي ضيوف في شتى الأزمنه والأمكنة، فهل تراني أتركهم؟ وهل هذا من حسن الضيافة وقد أمرنا بإكرام الضيف؟ يقصد بذلك الكتب. (الشيخ عبد الفتاح للهاشمي، ص: ٣٢–٣ باختصار.)
إن الشيخ رحمه الله قد عرف قيمة الوقت بأعلى معانيه، وكان يهتم بأوقاته كثيرا ولا يضيعها. وحينما ذهب إلى باريس لمعالجة عينيه كان الدكتور فؤاد العريس معه ويرافقه، فكان الشيخ في السيارة يُخرج كتابا ويسلمه إياه، ويطلب منه أن يقرأ له بسبب ضعف بصره، بل اشترى جهازاً يكبر الورقة والحروف، فكلما سحنت له فرصة فيخرج الكتاب ويدخله في الجهاز ويستفيد ولو من لحظات للقراءة فيه. (رجال فقدناهم: ٢/ ٨٥٥.) إنه كتب كتاباً نافعاً ممتعاً هو «قيمة الزمن عند العلماء» وهو كنز ثمين يدل على أن الوقت كان أغلى عنده من جميع الدنيا، وجمع في هذا الكتاب طرائف من قصص العلماء والموفقين واهتمامهم الشديد للوقت. وكان حريصا على جمع الكتب النافعة وقراءتها واستخراج الدرر منها، يقول الشيخ حسن قاطرجي: وقد ذكر أحد أعرف تلاميذه به فضلية شيخنا الأستاذ محمد عوامة (حفظه الله ورعاه)، أن إذاعة الرياض أجرت معه(رحمه الله) قبل نحو عشرين سنة مقابلة، سئل فيها عن مكتبته فصرح بعد الإلحاح أنها تضم عشرين ألف مجلد!! هذا في ذلك الوقت فكم يقدر حجمها الآن!!. (رجال فقدناهم: ٢/ ٨٨٣.)
إنه رحمه الله بقی طالباً حقيقياً بعد ما تخرج وصار شيخاً كبيراً، وكان ذا حرص شديد على الكتب، وكان يسافر ويرحل إلى الأقطار النائية ويلتقي بالعلماء الكبار ويفحص المكاتب كي يجد بغيته ويصل إلى مطلوبه، وكان يشتكي من الجامعيين الذين لاعناية لهم بالكتاب والقراءة بعد ما وصلوا إلى وظيفة. يقول الدكتور محمد علي الهاشمي: إن الشيخ كان يرى أن أغلب الذين يتخرجون من الجامعات في هذه الأيام يحسبون أنهم حصلوا على العلم كله، وانتهی بهم المطاف إلى التوظف، فإذا ما حصلوا على الوظيفة قالوا للعلم وللكتب و المكتبة : هذا فراق بيني و بينك. (الشيخ عبد الفتاح للهاشمي، ص: ١٣٠)
في ساحات العلم والتحقيق
إن قائمة مؤلفات الشيخ الكبير عبد الفتاح وتحقيقاته الماتعة تشهد بأن هذا الرجل العظيم قد قضى حياته المباركة في خدمة العلم، ولاسيما الحديث النبوي الشريف في مناحيها المتنوعة وكانت له جهود مضنية ومساعي مشكورة في هذا المجال. وكان مكبا على كتب الحديث ومهتما بها أشد الاهتمام، وقد كان لهذه العناية أثر إيجابي في نفسيته ووجهه المنير. يقول الدكتور محمدعلي الهاشمي: فلا عجب أن يكسبه هذا التفاني في خدمة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم نضرة في وجهه يلمحها كل من نظر إليه، وإنها لسمة عرف بها أهل الحدیث، كما قال سفيان بن عيينه: «ليس من أهل الحديث أحد إلا وفي وجهه نضرة لهذا الحديث» يشير بذلك إلى الحديث الشريف «نضر الله امرءا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها». (الشيخ عبد الفتاح للهاشمي: ٨٦)
إنه رحمه الله قد أثرى المكتبة الإسلامية بتحقيقات حديثية حافلة تشهد بتضلعه في هذا المضمار ولكن رغم كثرة أبحاثه ووفرة تحقيقاته بحيث لو أفردها لكان كل تحقيق رسالة أو كتابا برأسه جعلها تعليقا لكتاب من كتب المتقدمين، ورام هضم النفس وقصد إتمام بناء الآباء، يقول رحمه الله في المقدمة التي كتبها لكتاب: «الرفع والتكميل»: «وقد اقترح علي بعض علماء المحبين أن أجعل هذه التعليقات التي تضاعفت بطولها وسعتها أضعافاً كثيرة، عن حجم الأصل المعلق عليه كتابا جديداً مستقلاً، يندرج الأصل فيه، وأنسبه لنفسه، وأتصرف فيه بحسب تخطيطي ودرسي، فأجبت بأن إتمام بناء الآباء خير مئة مرة من إنشا البناء من الأبناء، فضلاً عن أنه جزء من الحق الذي لهم علينا والوفاء، فهم الأصل الأصيل، والنور الدليل، و الفهم المستقيم، و العلم القويم. (الرفع والتكميل في الجرح والتعديل ص٦ مكتبة المطبوعات الاسلامية.)
والعلماء المهتمون بكتبه و تحقيقاته يعلمون أن أصل كتاب «الرفع والتكميل في الجرح والتعديل للكهنوي» في 30 صفحة، وصار بعد التحقيق و التعليق ۵۶۴ صفحة، وكذلك أصل کتاب «التصريح بما تواتر في نزول المسيح» في ۲۰ صفحة، وصار بعد التحقيق و التعليق ٣٧٣ صفحة، ولا شك أنه رحمه الله لولا تواضعه الجم و هضم النفس و الوفاء بالعلماء المتقدمين والأسلاف لأمكنه أن يجعل هذه التعليقات الهامة كتبا مستقلة باسمه و لكنه امتنع وأحيى ذكرى العلماء الماضين، و هذا دليل واضح بأنه كان يقتفى سيرة السلف الزاكية ويتتبع آثارهم في الإخلاص لله تعالى.
إن الشيخ عبدالفتاح رحمه الله كان مولعا بالبحث و التحقيق حريصاً على العلم وطرائفه متتبعاً للمعارف الجديدة، يقول الدكتور البيومي: الشيخ أبوغده يطبع الكتاب عدة طبعات وفي كل طبعة يزيد ويزيد حتى يكون الفارق بين الطبعة الأولى والرابعة فرق ما بين الطفل و الكهل وهو توفيق أمده الله به». (النهضة الاسلامية: ٤/ ٢٢٤.)
يقول أيضاً: «ولا أنسى أن أذكر على سبيل المثال حواشيه العجيبة الساطعة والمسهبة على كتاب الحارث المحاسبي، فقد فاقت كل تقدير، ولولا حبي للمحاسبي لقلت: إنها ارتفعت بقوله إلى أرقى السموات». (النهضة الاسلامية: ٤/ ٢٢١)
ومن الأمور الهامة في أعماله العلمية وتعليقاته النافعة أنه تمتاز كتاباته وتحقيقاته بالدقة والإتقان فهو لا يكتفي بمصدر واحد بل يتتبع المصادر والمراجع العلمية بإمعان وتفكر حتى يصل إلى منشوده.
يقول تلميذه حسن قاطرجي: يتصل بحب الشيخ للعلم و تفوقه في تحصيله حرصه على تحقيق مسائله و إتقان البحث فيها والتدقيق في تجليتها وضبطها مما يهمله كثير من العلماء في عصرنا – للأسف الشديد». (رجال فقدناهم: ٢/ ٨٨٣.) ونظرا إلى هذه الدقة والإتقان في كتاباته نرى أنه يهتم كثيرا في ضبط الكلمات ويتعب نفسه في تحقيق كلمة واحدة ويفتش المراجع والمعاجم كي يصل إلى أصل الكلمة كما فعل في كثير من تعليقاته وقد يرى بعض التساهل في هذا الجانب الهام من قبل كبار المحققين والكتاب البارعين، ولكن الشيخ لا يصبر عليها بل ينبه عليها بلطف وأدب ويستشهد على قوله بدلائل متينة وشواهد عديدة. لأجل هذا الإتقان والدقة نراه يقول في تعلیق کتاب «الرفع و التكميل»: ومن لطائف ما قلته لبعض العلماء في الهند حين زرتها «إذا قيل لي: لماذا جئت إلى الهند؟ فالجواب: جئت لأقول: لا تهمزوا (المشايخ)؛ فإن همز المشايخ لايجوز». (الرفع والتكميل ص: ٤٨.) مشيرا إلى أن لفظ المشايخ يأتي بالياء لا بالهمزه فاستعماله بصورة (مشائخ) خطأ شائع بين بعض العلماء. وهذه الدقة و الإتقان هي خصيصة بارزة في تحقيقاته؛ لأنه كان خبيرا مطلعا باللغات وكيفية استعمالها وكان دائم التأمل والتمعن في الكتب، يطالعها ويراجعها و يهتم بها أشد الاهتمام. يقول الدكتور الهاشمي: ويذكر تلميذه الشيخ محمد عوامة حفظه الله أن لفيفاً من الأساتذة الحلبيين حضروا درس عالم بدمشق، فتوقفوا في أمر كلمة في ضبطها ومعناها، وكان بين الحضور الشيخ عبدالفتاح وأستاذه الشيخ أمين عيروض الذي درسه الحساب، فطلب الشيخ صاحب الحلقة من أحد الطلبة إحضار (القاموس المحيط)، فقال الشيخ أمين عيروض: "لا عليكم، هذا هو الشيخ عبد الفتاح أبوغدة اسألوه، فإنه قاموس ناطق. (الهاشمي ص: ٩٨) وكان يقول أستاذه الشيخ محمد السلقيني لمن حضره: "ادخلوا مكتبة الشيخ عبد الفتاح وتناولوا منها أي كتاب شئتم ، فإنكم لابد واجدون فيه تصحيحا أو تعليقا أو استدراكا". (الهاشمي ص: ٣١)
إن الشيخ عبد الفتاح رحمه الله وصل إلى ما وصل إليه من المكانة السامية بين العلماء والمحققين في العصر الراهن، لأنه كان فطناً يقظا يعرف قدر العلم والعلماء ويلتقط الكلمة الحسنة من أفواه الرجال و يحافظ عليها، وكان رحمه الله ذا ذوق حسن وأدب جم وتواضع، يستفيد من تلاميذه ولا يأبي، قال مجاهد شعبان تلميذ الشيخ يوما أمامه: إن ابن خلدون قال في مقدمته: إن التجارة من السلطان مضرة بالرعايا ومفسدة للجباية. ففرح الشيخ بهذه العبارة وقال له: "اكتبها لي مع مرجعها حتى أضعها في كتاب "الكسب للإمام محمد". (الهاشمي ص: ٩٠) وفي أثناء رحلته إلى الهند سمع من الشيخ محمد يعقوب قوله: كان تمني خالد بن الوليد أن يموت شهيدا غير مستجاب، لأن النبي صلي الله عليه وسلم لقبه سيف الله، وسيف الله لا يكسر ولا يقتل، لهذا لم تكن له الشهادة، ففرح الشيخ بهذه الفائدة وقال: «هذه تعدل عندي رحلة». (الهاشمي ص: ٩١) ويذكرنا هاتان القصتان بأن من علت همته يسمو إلى أعلى الدرجات ويحصل العلم بجميع معانيه ويترفع عن سفاسف الأمور ويحب معاليها، وهذه الخصيصة التي وجدناها في الشيخ رحمه الله تميزه عن أقرانه لشدة الطلب والعناية الفائقة بالعلم والنكات النادرة والاهتمام بها.
إن الشيخ رحمه الله كان متأدبا مع العلماء والسلف الماضين، ولأجل هذا كان يهتم بكتبهم ويخدمهم خدمة جليلة ويطبعها في حلة قشيبة وبتحقيقات رائقة تسر الناظرين، ولكن مع كل هذا ما كان يمنعه أن ينبه على بعض ما كان يراهم فيها مجانبا للصواب، ومن أجل هذا لما لقب العلامة اللكنوي الإمام عبد القادر الجيلاني رحمهما الله بلقب «غوث الأنجاب» كتب الشيخ عبد الفتاح في تعليقه على هذه الكلمة: «ليت المؤلف رحمه الله تعالى أكرم الشيخ الجيلاني الجليل رحمه الله تعالى بغير هذا اللقب هنا وفيما سيأتي من قوله: (غوث الثقلين)؟ فإني ما أظن الشيخ رحمه الله يرضاه لنفسه ولا لغيره، ومقام الشيخ الجليل محفوظ لا يتوقف إجلاله على مثل هذا اللفظ، والتوسع في تفخيم الألفاظ وتضخيمها ليس من سيرة السلف المشهود لهم بالخيرية، رزقنا الله التوفيق لما يحبه ويرضاه. (الرفع والتکمیل ص: ٣٧٤)
وكذلك نرى له رحمه الله مؤاخذات على العلامة ابن قيم الجوزية في كتابه "المنار المنيف في الصحيح والضعيف"، فقد أبطل العلامة أبو غدة بعض كليات العلامة ابن القيم مثلا: قال ابن القيم في "المنار المنيف" ص ۸۹: "كل حدیث فيه يا حميراء أو ذكر الحميراء فهو كذب مختلق". فتعقبه الشيخ قائلاً: هذه الكلمة غير مسلمة، فقد صحت ثلاثة أحاديث جاء فيها ذكر الحميراء، وكذلك أبطل كلية حول رد ذكر الديك في الأحاديث وأثبته بذكر الدلائل. (محمود سعيد ممدوح، الشذا الفياح، ص: ٦٣)
وكذلك لما وصف العلامة تاج الدين السبكي شيخه الإمام الذهبي رحمهما الله بأنه مطبوع على قلبه نرى الشيخ عبد الفتاح رحمه الله لا يسكت على هذه الجملة، بل يردها ردا عنيفا حيث يعلق على جملته هذه بقوله: "قلت: لقد أسرف الشيخ تاج الدين في حق شيخه الإمام شمس الدين الذهبي، لقبا ومعنى، وبالغ حتى أفرط! ومال حتى قسط ! ووقع في الشطط والغلط، وكيف ساغ له التعبير بهذه الكلمة الكبيرة وإنها لكبيرة!". (أربع رسائل في علوم الحديث، ص: ٤٦)
إن جلائل الأعمال التي أتحفها العلامة أبو غدة للأمة الإسلامية وازدانت بها المكتبات الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها وجميع أنحائها تسببتها جهوده الجبارة ومساعيه البليغة في خدمة العلم والدین، ولولا هذه الهمة التي تناطح الثريا ولولا حب العلم والخدمة لما استطاع أن يصل إلى ما وصل إليه من الإنجازات العلمية. وهنا أذكر قصة واحدة تظهر من خلالها شدة طلبه للعلم والتحقيق وهي بحثه عن كتاب " فتح باب العناية" ذكر ها في مقدمة تحقيقه للجزء الأول من هذا الكتاب، يقول: لما كنت في القاهرة أيام دراستي في كلية الشريعة بالجامع الأزهر، أوصاني شيخنا العلامة الإمام زاهد الكوثري – رحمه الله – خلال ملازمتي له باقتناء كتاب فتح باب العناية بشرح كتاب النقاية" للعلامة الشيخ علي القاري، حضني على الحصول عليه حضاً كبيراً، مع علمه أني من هواة الكتب النادرة النافعة، وكنت أظن أنه مطبوع في الهند، وقد مكثت في القاهرة ست سنوات حتى إنهاء دراستي أسأل عنه، وأنشده في كل مكتبة أقدر وجوده فيها، فلم أظفر منه بخبر ولا أثر. لما عدت إلى بلدي حلب، ما فتئت أبحث عنه أيضاً في كل بلد أزوره أو كل مكتبة أرتادها، ولما كنت أظنه مطبوعا في الهند، وكان هو من كتب فقه السادة الحنفية، كنت أسأل الكتبيين عن مطبوعات الهند في الفقه الحنفي عامة، لعلى أصل إليه بهذه الطريقة، إذ قد يجهلون اسمه، وكان في دمشق كتبيون قدماء خبراء في الكتب القديمة والنفيسة عندهم من قديمها ونفسيها الكثير ولكنهم يغالون به ويتشددون في بيعه، منهم السيد عزت القصيباتي ووالده والشيخ حمدي السفرجلاني، والسيد أحمد عبيد. فسألت السيد أحمد عزت القصيباتي عن فتح باب العناية على أنه من مطبوعات الهند، فقال: هو عندي وأخرج لي كتاب «البناية بشرح الهداية» للإمام العيني، المطبوع في الهند من مئة عام سنة ١٢٩٣ هـ في ست مجلدات ضخام كبار جداً، وكان هذا الكتاب أحد الكتب النادرة النفيسة التي أبحث عنها، فاشتريته بثمن غير مغالي فيه، إذ كان غير الكتاب المطلوب الذي سميته له. ثم سألت الشيخ حمدي السفرجلاني عن الكتاب، فعلمت منه أنه مطبوع في قزان من بلاد روسيا، وأنه أندر من الكبريت الأحمر كما يقال، وأنه طول حياته واشتغاله بالكتب ما مر به منه سوى نسخة واحدة، كان قد باعها للعلامة الكوثري بأغلى الأثمان التي تعقل، فعند ذلك تعين عندي البلد الذي طبع فيه الكتاب وضعف أملي بالحصول عليه، ولما أتاح الله لي حج بيته الكريم أول مرة عام ١٣٧٦هـ ودخلت مكة المكرمة طفقت أسأل عنه في مكتباتها؛ لعلي أجده قادما مع أحد المهاجرين من تلك البلاد إلى بلد الله الحرام؟ فلم أوفق لذلك. ثم ساقتني عناية الله تعالى إلى كتبي قديم منزو في بعض الأسواق المتواضعة في مكة المكرمة وهو الشيخ المصطفى بن محمد الشنقيطي فاشتريت منه بعض الكتب وسألته على يأس عنه فقال لي: كان عندي من نحو أسبوع اشتريته من تركة بعض العلماء البخاريين، وبعته لرجل من بخاری من علماء طشقند بثمن كريم، فما كدت أصدقه حتى جعل يصفه لي وصفاً مثبتاً لمعرفته به، وأنه الكتاب الذي ألوب عليه وأسعى منذ دهر إليه. فقلت: من هذا العالم الطشقندي الذي اشتراه؟ فجعل يتذكره تذكرا ويسميه لي:«الشيخ عناية الله الطشقندي» فقلت: أين مسكنه أو محل عمله أو ملتقاه؟ قال: لا أدري عن ذلك شيئاً، فقلت: كيف أسأل عنه قال: لا أدري فازددت عند ذلك يأساً من الحصول عليه أو لقاء مشتريه!، فذهبت بعد هذا أسأل عن (الشيخ عناية الله) كل بخاري أراه في المسجد الحرام أو في أسواق مكة، وصرت أذهب إلى المدارس والربط التي يقال لي فيها بخاريون لأسأل عن هذا الشيخ البخاري حتى ذهبت إلى الأحياء الواقعة خارج مكة إذ قيل لي فيها بعض البخاريين ولكن هيهات اللقاء بالمنشودة، وكم في مكة المكرمة من البخاريين الذين يسمون عناية الله، ثم أوصلني السؤال المتتابع إلى الشيخ عبد القادر الطشقندي البخاري الساعاتي في جهة حي جرول من أطراف مكة، فسألته عن الشيخ الطشقندي فعرفه وعيّن لي اسمه (الشيخ مير عناية الطشقندي)، ولكن لا علم له بمستقره وملتقاه وعند ذلك غلبني اليأس من لقاء هذا الشيخ الذي عنده فتح باب العناية. فصرت في أثناء طوافي حول الكعبة المعظمة زادها الله تشريفاً وتعظيماً أطلب من الله تعالى أن يرشدني إلى ذلك الإنسان، وييسر لي اقتناء هذا الكتاب وصرت أكرر هذا الدعاء والطلب مرات تلو مرات، ومضى أسبوع وأنا – علم الله – في تشتت بال من حال البحث عن الكتاب وصاحبه حتى كنت أمشي يوما في سوق باب الزيادة من أبواب المسجد الحرام قبل توسعة المسجد، فرآني تاجر دمشقي قديم في مكة المكرمة، يقال له: أبو عرب ، كان له متجر هناک، فدعاني إلى متجره لما رآني شامي السحنة والمظهر، يسألني عن الشام وأهلها، فسألته من شدة هوسي بالكتاب - وهوتاجر دمشقي شامي – عن الشيخ البخاري؟ فقال لي: هذا ختنه زوج ابنته في الدكان الذي أمامي وهو أعرف الناس به، فوالله ما كدت أصدق ذلك فرحاً وسروراً. فذهبت إلى ختنه وسألته عنه فاستغرب قائلاً: ما الذي يدعوك للسؤال عنه وإلى لقائه؟ فقلت: صار لي أكثر من أسبوع وأنا دائب البحث عنه، فدلني عليه جزاك الله خيراً، فأرشدني إلى منزله بالتعيين في حي المسفلة، جوار قهوة السقيفة، فذهبت إليه مرة بعد مرة ليلا ونهارا، حتى لقيته فتنازل لي عن الكتاب بالثمن الذي اختار وأحب، فكانت عندي فرحة من فرحات العمر».
هذه قصة واحدة من قصص الشيخ عبد الفتاح التي يتجلى فيها ولعه وشدة شوقه للكتب النادرة كي يشتريها ويحققها ويزيد في المكتبة الإسلامية كتاباً محققاً جديداً. فرحمه الله رحمة واسعة. ويقول الدكتور الهاشمي: «وكان رحمه الله يردد قول أحد شيوخه: يموت طالب العلم وفي قلبه مئة إن شاء الله، ثم يقول عن نفسه: وأنا أموت وفي نفسي ألف إن شاءالله، وكان آخر كلمة نطق بها قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، حين أفاق قليلا: هل طبع الكتاب؟». (الهاشمي، ص: ١٣٨)
لاشك أنه كان عالماً ربانياً عاش حياة حافلة بالمكرمات والمآثر، ذاخرة بالعلم والحديث والأدب، وكتب وحقق وعلق في مختلف فروع العلوم الإسلامية ولاسيما الحديث النبوي الشريف. وكان متبعاً للسنة النبوية محباً لها، مدافعاً عنها، آمراً بها محرضاً عليها حتى آخر حياته.
يقول ابنه البار الشيخ سلمان أبو غدة: إن إحدى أخواتي وفقهن الله كانت بجانب سرير الوالد رحمه الله وهو في مرضه الأخير الشديد، فأرادت أن تشرب وأمسكت الكأس بيدها اليسرى من ذهولها بحاله ومرضه ، فأشار إليها الوالد فلم تفهم مراده لذهولها وحزنها عليه، فأمسك بيدها وهزها لكونه لايستطيع الكلام، ففهمت مراده وأمسكت الكأس بيدها اليمنى! فلله دره كم أتعب من بعده . (مقدمة صفحات من صبر العلماء، ص: ٣٦، المطبوعات الإسلامية، ط: ٩) فهذا كان غيضا من فيض من حياة هذا العالم المثالي والمحقق العظيم الذي عم نفعه البلاد والعباد، فرحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جنانه.
بقلم: عبد اللطيف الناروئي
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين