نص الاستشارة:
فضيلة الشيخ مصطفى الزرقا
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يُرجَى بيان الحكم الشرعي في الأمور التالية:
1 - تهنئة النّصارَى بعيدِ المِيلاد وعيد رأس السّنة الميلاديّة.
2 - طِباعة بطاقات التّهنئة الخاصّة بأعياد المِيلاد ورأس السّنة وعيد الميلاد الشّخصِيّ.
3 - تجارة بيع بطاقات التهنئة المذكورة سابقًا.
جزاكم الله عنا الخير الجزيل
أنس محمد الصباغ
الرياض في 20/6/1417هـ
الإجابة:
ابن الأخ الكريم أنس الصباغ:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
جوابًا على أسئلتكم عن تهنئةِ النّصارَى بعيد الميلاد... إلخ
إنّ تهنئةَ الشّخص المُسلِم لمعارِفه النّصارَى بعيدِ ميلاد المَسيح ـ عليه الصّلاة والسلام ـ هي في نظري من قَبيل المُجاملة لهم والمحاسَنة في معاشرتهم. وإن الإسلام لا ينهانا عن مثل هذه المجاملة أو المحاسَنة لهم، ولا سيّما أنّ السيد المَسيح هو في عقيدتنا الإسلاميّة من رسل الله العِظام أولي العزم، فهو مُعظَّم عندنا أيضًا، لكنهم يُغالُون فيه فيعتقدونَه إلهًا، تعالى الله عما يقولون عُلُوًّا كبيرًا.
ومن يتوهَّم أنّ هذه المُعايَدةَ لهم في يوم ميلاده ـ عليه السلام ـ حَرام؛ لأنّها ذات عَلاقة بعقيدتِهم في ألوهيّته فهو مُخطئ، فليس في هذه المجامَلة أي صِلة بتفاصيلِ عقيدتِهم فيه وغُلُوِّهم فيها.
وقد نُقل أن نبيَّنا محمّدًا ـ صلّى الله عليه وسلم ـ مرّت به وهو بين أصحابه جنازة يهوديّ فقامَ لها(*) فهذا القيامُ قد كان تعبيرًا عمّا للموت من هيبة وجلال، ولا عَلاقة له بعقيدة صاحب الجنازة.
والمسلِم مطلوب منه أن يُظهِرَ محاسِنَ الإسلامِ واعتدالَه لغير المسلمين، ولا يُجبِرهم إذا كانوا من رعاياه وأهل ذِمّته على اعتناق الإسلام، بل يتسامَح معهم ويترُكهم على ما يُدينون به.
أضفْ إلى ذلك حال المسلمين اليوم من الضَّعف بين دول العالم، وتآمُر الدول الكبرى عليهم واتِّهامِهم بأنّهم إرهابيّون ومتعصِّبون لا يُطْمَأن إليهم إلى آخر المعزوفة..وحاجة المُسلمين اليوم إلى تغيير الصورة القاتمة عنهم التي يصوِّرهم بها العالَم الأجنبيّ.
ولا سيِّما أن المسلمَ قد يأتيه في عيده (الفطر والأضحى) معارِفُ له من النّصارى يُهنِّئونه فيه. فإذا لم يَرد لهم الزيارة في عيد الميلاد، كان ذلك مؤيِّدًا لِما يتَّهَم به المسلمون من الجَفوة، وعدم استعدادهم للائتلاف مع غيرهم، والمُحاسَنة في التّعامُل.
وما يقال عن التهنئة بعيد الميلاد يقال عن رأس السنة المِيلادية بطريق الأولويّة، لأن رأس السنة الميلاديّة لا صلة لها بالعقيدةِ، وإنّما هو مجرّد بداية التاريخ.
وقد كان الصّحابة الكرام حين جمعهم سيدنا عمر ـ رضي الله عنه ـ للمذاكَرة في تعيِين حَدَث يكون مبدأً لحِساب السِّنين (التاريخ) طَرحوا فيما طَرحوا من آراء أن يُعتَمَدَ تاريخ الرومِ، أو تاريخ اليهودِ، فلو كان هذا حرامًا لما عَرَضوه.
وإذا عرَفنا الرأي الشرعي في التهنئة يُعرَف حكم طباعة البِطاقات والمُتاجَرة بها؛ لأن ما كان من وسائل المُباح فهو مباح.
لكن هنا نقطة توقُّف مُهِمٍّ يجب الانتباه إليها!
فإذا كانت تهنئة المسلِم للنّصارى في ذلك مُباحة فيما يظهر لأنّها من قبيل المجاملة والمحاسَنة في التّعامُل، فإن الاحتفال برأس السنة الميلاديّة وما يجري فيه من منكَرات هو أمر آخر فيه تقليد واتباع من المسلمين لغيرِهم في عادات وابتهاج ومنكَرات يجعلُها من قَبيل الحَرام.
هذا ما يبدو لي، والله سبحانه أعلم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مصطفى أحمد الزرقا
22/6/1417هـ.
3/11/1996م.
عناية: مجد أحمد مكي
هامش
(*) روى البخاري (1311) في الجنائز، باب من قام لجنازة يهودي، ومسلم (960) في الجنائز، وأبو داود (3174) في الجنائز والنسائي (1922) في الجنائز عن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ قال: مرَّتْ جنازة، فقام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقمنا معه، فقلنا: يا رسول الله، إنها يهوديّة، فقال: "إن للموتِ فَزَعًا، فإذا رأيتم الجنازة فقُوموا".
وروى البخاري (1312) ومسلم (961) والنسائي (1921) عن عبد الرحمن بن أبي ليلي ـ رحمه الله ـ قال: كان سَهل بن حُنيف، وقيس بن سعد قاعدين بالقادسيّة، فمُرَّ عليهما بجنازة، فقاما. فقيل لهما: إنّها من أهل الأرض، أي من أهل الذِّمّة ـ فقالا: إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مرّت به جنازة فقام، فقيل له: إنّها جنازة يهوديّة، فقال: "أليستْ نَفسًا"؟.
وانظر ما قاله الحافظ في "الفتح" 3: 181 حول القيام للجنازة وعدمه وحكمه.