التقديم للكتاب:
الحمد لله الذي علَّم بالقلم، علَّم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على النبي الأكرم، سيدنا محمد بن عبد الله، الذي نزل القرآن بلسانه المبين، وكان في فصاحته وبلاغته إمامَ الفصحاء والبلغاء إلى يوم الدين.
وبعد، فهذه طاقةٌ جامعة من أحاديث البشير النذير، الذي وصفه المولى جلّ وعلا بالسراج المنير؛ فقال – عزّ من قائل –:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: 45–46].
والسراج في القرآن وصفٌ للشمس، والمنير وصفٌ للقمر، وقد جمع الله تعالى لنبيّه الكريم ﷺ بين هذين الوصفين؛ لأنه يقوم في الحياة المعنوية للأمم والشعوب مقامَ الشمس والقمر في معاشهم وحياتهم المادية.
ولهذا فإن أحاديثه الشريفة اتسعت لتشمل جميع أبواب المجتمع والحياة: في العقيدة وشُعب الإيمان، وفي التربية والأخلاق، والعبادة، والدعاء، والمال، وسائر شؤون التعامل مع النفس والأسرة والمجتمع. ونأمل أن تكون هذه الطاقة التي جمعناها في هذا الكتاب – من أمهات كتب الحديث، ولم نتعدَّ فيها الصحيح والحسن – قد اتسعت لأحاديث من هذه الأبواب وسواها، وبخاصة في باب الأدب النبوي، والدعاء، والأخلاق والرحمة، والصدقة وشؤون المال، وصلة الرحم، وتحريم الظلم.
وفي هذا دليلٌ ساطع – من جهة أخرى – على أن السُّنَّة النبوية هي المصدر المفصِّل أو المبيِّن للثقافة الإسلامية التي تشمل حياة وسلوك الفرد المسلم في حياته اليومية، كما أنها المصدر الثاني للتشريع، كما هو معلوم ومقرَّر عند المسلمين كافة.
ونشير هنا إلى أن الكتاب كان في طبعته الأولى بدمشق عام 1391هـ / 1973م لا يزيد على مائة صفحة إلا قليلًا، وكانت الغاية من وضعه في ذلك الوقت تلبية الحاجة السريعة لطلبة قسم اللغة العربية وآدابها بالجامعة، للوقوف على السمات الجامعة للبلاغة النبوية، بوصفها البلاغة العالية، أو بوصفها تمثل أعلى أنواع البلاغة؛ لأنها تقع – كما وصفناها – على القنطرة الواصلة بين إعجاز القرآن وبلاغة البلغاء، ولوضع طاقة من الكلام النبوي بين أيديهم تكون موضع دراسة بلاغية.
ولكننا في هذه الطبعة – والطبعة السابقة – توسعنا كثيرًا في كلا هذين الجانبين، وبخاصة في جانب النصوص، سواء التي شرحناها شرحًا واسعًا، أو التي اكتفينا فيها بشرح المفردات وبعض التراكيب، مع بعض التعليقات.
لقد اتسع عندنا مجال النصوص، أو قسم النصوص، ولكنها جميعًا – كسائر أحاديث النبي ﷺ – تُعد من جوامع الكلم التي ميَّزت الكلام النبوي، كما شرحنا ذلك، أو توسعنا في شرحه في هذه الطبعة والطبعة السابقة، مع الإشارة إلى أننا في هذه الطبعة أضفنا بعض الروايات الأخرى، وبعض الشروح والتعليقات، وصوَّبنا ما ندَّ عنه القلم من أخطاء طباعية ونحوها.
وبهذا جميعه بات الكتاب صالحًا للمطالعة العامة، وتحصيل قدر من الثقافة الحديثية – إن صح التعبير – يتيح للقارئ أن يلمح الجهد العظيم الذي بذله علماء الحديث في الذبِّ عن السنة النبوية، وتطهيرها من لوثة الوضع والكذب على رسول الله ﷺ، بل لتحصيل قدرٍ مهم من ثقافة المسلم اليومية التي أشرنا إليها.
كما أنه – وبخاصة في جانب الأحاديث التي توسعنا في شرحها – يمكن أن يكون مرجعًا في بعض مقررات «الحديث التحليلي» في أقسام الدراسات الإسلامية، فضلًا عن أن الكتاب في جملته – كما أشرنا – يمكن أن يعود إليه طلبة أقسام اللغة العربية.
وقد يشكِّل – إن شاء الله تعالى – زادًا صالحًا لبعض خطباء المساجد، وذلك في ضوء الاختيارات التي أشرنا إليها كذلك.
ورحم الله رجلًا أهدى إلينا عيوبنا، أو دلَّنا على مواطن الزلل فيما قلناه أو ذهبنا إليه.
وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد في الأولين والآخرين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
تأليف: د. عدنان محمد زرزور
المنامة، مساء يوم الاثنين
23 جمادى الآخرة 1444هـ
16 كانون الثاني (يناير) 2023م
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين
