التقديم للكتاب:
يُعالج هذا البحث الموسوم بـ «مواقيت الجهاد الزمانية والمكانية – دراسة فقهية مقارنة» قضية فقهية دقيقة تُعد من أكثر القضايا حاجةً إلى الضبط العلمي والتأصيل المنهجي، وذلك في ظل ما اعتراها من التباس في الفهم أو اضطراب في التنزيل. وينطلق المؤلف من مسلَّمة منهجية مؤداها أن الأحكام الشرعية لا تُفهم ولا تُطبَّق على وجهها الصحيح إلا إذا روعيت شروطها وضوابطها، ومن أهمها الزمان والمكان، وهو ما استقر عليه الفقه الإسلامي في مختلف أبواب العبادات والمعاملات، وينسحب – بالضرورة – على باب الجهاد.
ويستهل الباحث دراسته بتوطئة علمية تأصيلية عرّف فيها مفهوم “المواقيت” لغة واصطلاحًا، مبيّنًا أن التوقيت في الشريعة لا يقتصر على العبادات المحضة، بل يشمل سائر الأعمال الشرعية التي يرتبط حكمها بظرف زماني أو مكاني معيّن. ثم انتقل إلى تعريف الجهاد لغة وشرعًا، مع عرضٍ مقارن لتعريفاته عند فقهاء المذاهب الأربعة، ومناقشة ما يتسم منها بالشمول أو القصور، وصولًا إلى تحرير مفهوم الجهاد تحريرًا علميًا منضبطًا.
كما تناولت التوطئة أقسام الجهاد وصوره المتعددة، فبيّنت أن الجهاد في التصور الشرعي لا ينحصر في القتال، بل يشمل جهاد النفس، وجهاد العلم، والدعوة، واللسان، والمال، مع التأكيد على أن الإطلاق الفقهي لمصطلح الجهاد ينصرف – عند التجريد – إلى الجهاد القتالي بضوابطه وشروطه المعروفة. ثم بُحث الحكم التكليفي للجهاد، مع بيان كونه فرض كفاية في أصله، وقد يتحول إلى فرض عين في حالات مخصوصة، مع ربط ذلك بالأدلة الشرعية ومقاصد التشريع.
بعد ذلك قُسِّم البحث إلى ثلاثة فصول رئيسة شكّلت الهيكل العلمي للدراسة.
الفصل الأول خُصِّص لبحث مواقيت الرباط الزمانية والمكانية، فناقش مفهوم الرباط، وحقيقته، وأحكام الإقامة فيه، وفضله من حيث الزمان والمكان، مع الاستدلال بالنصوص الشرعية وأقوال الفقهاء.
أما الفصل الثاني فتناول المواقيت الزمانية للجهاد، فبحث زمن مشروعيته، وأحكام الاستعداد له، والتدرج في تشريعه، واعتبار الأحوال والظروف، مع عرضٍ تطبيقي مستفاد من السيرة النبوية، ولا سيما مواقيت الغزوات والسرايا، وما يتصل بالقتال في الأشهر الحرم.
وجاء الفصل الثالث لبحث المواقيت المكانية للجهاد، فتناول تقسيم الديار، وأحكام الهجرة، ومتى وأين يتحول الجهاد إلى فرض عين، إضافة إلى أحكام الهدنة، ودفع الجزية، والخراج، وما يتصل بذلك من تنزيلات فقهية.
واعتمد الباحث منهجًا فقهيًا مقارنًا، جمع فيه بين الاستدلال بالقرآن الكريم والسنة النبوية، وأقوال فقهاء المذاهب الأربعة، مع بيان وجه الدلالة، ومناقشة أسباب الاختلاف، وربط الأحكام بمقاصدها الشرعية. ويهدف هذا العمل في مجمله إلى ترشيد الفهم الفقهي للجهاد، وإخراجه من دائرة التوظيف الجزئي أو الانفعالي إلى دائرة الضبط العلمي الرصين، من خلال بيان مواقيته الزمانية والمكانية كما قررها الشرع.
تأليف: د. نزار قاسم الشيخ
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

