التقديم للبحث:
يُعَدّ تاريخ الفقه الإسلامي واحدًا من أبهى الصفحات في سجل الحضارة الإسلامية، إذ نشأ في بيئة تتفاعل فيها النصوص الشرعية مع واقع الأمة، وتستجيب لتحدياتها الفكرية والاجتماعية. ومن أبرز معالم هذا التاريخ، مدارسُه الفقهية الكبرى التي أرسى دعائمها أربعة من أئمة الإسلام العظام: الإمام أبو حنيفة النعمان، والإمام مالك بن أنس، والإمام محمد بن إدريس الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل. هؤلاء الأعلام لم يكونوا مجرد فقهاء ينقلون الأحكام، بل كانوا مجددين في مناهج الاستنباط، مؤسسين لمدارس فكرية متكاملة، تركت بصمتها في التشريع، والقضاء، والحياة اليومية للمسلمين على امتداد القرون.
هذا البحث يتناول سير هؤلاء الأئمة الأربعة، فيعرض بيئتهم العلمية والاجتماعية، ونشأتهم، وتكوينهم الفقهي، وأهم أساتذتهم وتلامذتهم، ومناهجهم في الاجتهاد، والملامح المميزة لكل مدرسة من مدارسهم. كما يُبرز أثرهم في إثراء الفقه الإسلامي وتنوعه، مع المحافظة على أصوله المستمدة من الكتاب والسنة.
ولئن اختلفت المذاهب الفقهية في بعض المسائل الجزئية، فإنها التقت في غايتها الكبرى: خدمة الدين، وصيانة النصوص، وتحقيق مقاصد الشريعة. ويكشف البحث عن روح الاحترام المتبادل بين الأئمة، وكيف كان الخلاف بينهم ثمرة لاجتهاد نزيه، قائم على الدليل والحجة، بعيد عن التعصب المذموم.
يمتاز هذا العمل بجمعه بين السرد التاريخي الموثق والتحليل العلمي، إذ يورد الوقائع والأحداث من المصادر المعتمدة، ويحللها في ضوء سياقها الزمني والفكري. وهو يتيح للقارئ فهمًا أعمق للظروف التي شكّلت شخصية كل إمام، والوسائل التي اعتمدها في بناء مذهبه، والعوامل التي أسهمت في انتشار هذا المذهب أو ذاك في أرجاء العالم الإسلامي.
إن دراسة سير الأئمة الأربعة ليست مجرد عودة إلى الماضي، بل هي نافذة على تراث حيّ ما زال يمد الأمة بقيم العلم، وأدب الحوار، وفقه الواقع. ومن خلال التعرف على مناهجهم، يمكن لطالب العلم أن يتلمس طرائق الاستنباط الرصين، وأن يدرك كيف يتسع الفقه الإسلامي لثراء التنوع في إطار الوحدة.
وبذلك، فإن هذا البحث يمثل رحلة معرفية في عقول وقلوب أربعة من أعظم علماء الأمة، ممن جمعوا بين عمق الفقه، وصفاء العبادة، وسمو الأخلاق، حتى غدوا منارات تهتدي بها الأجيال، ومثالًا باهرًا على أن خدمة الشريعة هي أعظم رسالة، وأبقى أثرًا.
كما يتناول هذا البحث دراسة شاملة لسير الأئمة الأربعة الكبار في الفقه الإسلامي: أبو حنيفة النعمان، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس الشافعي، وأحمد بن حنبل، مبينًا أثرهم العميق في صياغة المذاهب الفقهية التي شكّلت أطر الاجتهاد في العصور الإسلامية المتعاقبة.
ويستعرض الظروف التاريخية والاجتماعية التي نشأ فيها كل إمام، وتأثير بيئته في تكوينه العلمي، مع بيان أبرز شيوخه وتلامذته، وأهم المؤثرات التي أسهمت في تكوين منهجه الفقهي. كما يتناول تحليلًا موجزًا لأصول الاستنباط التي اعتمدها كل مذهب، من حيث ترتيب الأدلة الشرعية، وتقديم بعضها على بعض، والمرونة في التعامل مع النصوص في ضوء مقاصد الشريعة.
ويبرز البحث السمات المميزة لكل مذهب:
الحنفي: سعة النظر العقلي، والاعتماد على القياس، وتنظيم القواعد الفقهية.
المالكي: تعظيم عمل أهل المدينة، والاستناد إلى المصلحة المرسلة، والتمسك بالسنة العملية.
الشافعي: ضبط أصول الفقه كمصطلح ومنهج، وتقديم النصوص على غيرها، وجمع مدرسة الحديث والرأي.
الحنبلي: الالتزام الشديد بالنصوص، وتوسيع دائرة الأخذ بالأحاديث، والتمسك بآثار الصحابة.
كما يوضح البحث أن الخلاف بين الأئمة لم يكن خلافًا شخصيًا أو مذهبيًا متعصبًا، بل كان ثمرة اجتهادات مخلصة، تنطلق من التمسك بالوحيين وفهمهما في ضوء الواقع. ويشير إلى أن هذا التنوع الفقهي أسهم في ثراء الفكر الإسلامي، وأتاح للأمة مرونة في التطبيق، ضمن وحدة المرجعية الشرعية.
ويخلص البحث إلى أن دراسة الأئمة الأربعة تكشف عن توازن فريد بين الثبات على الأصول والانفتاح على الاجتهاد، وأن تراثهم يمثل مدرسة دائمة لتخريج الفقهاء، وترسيخ القيم العلمية والأخلاقية، وحفظ وحدة الأمة رغم اختلاف وجهات النظر.
تأليف: أحمد الشرباصي
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين