بعد أن زلَّت الأقدام

بعد أن زلَّت الأقدام

التصنيف: ركن الابحاث و الدراسات
الجمعة، 1 جمادى الآخرة 1447 هـ - 21 نوفمبر 2025
34
تحميل البحث

التقديم للبحث:
الكتاب المعنون «بعد أن زلَّت الأقدام» هو بحثٌ فكريٌّ اجتماعيٌّ تحليليٌّ من صميم الواقع السوري، كتبه الشيخ الداعية المؤرخ الدمشقي الميداني محمد محيي الدين حمادة، أحد العلماء الذين عايشوا الثورة السورية، وكتبوه بأسلوب تأمليٍّ جريء يجمع بين الوعي الشرعي والرؤية التاريخية النقدية.

صدر هذا البحث في المدينة المنوّرة ليلة الأول من العام الهجري 1437هـ، وهو يمثل صرخةً فكرية وإصلاحية موجهة إلى العلماء والدعاة والنخب الذين زلّت أقدامهم في زمن الفتنة، فاختلطت المواقف، وتبدلت المفاهيم، وانقلبت الموازين.


مقدمة البحث:
يبدأ المؤلف بالحمد والثناء على الله تعالى، ثم ينتقل إلى تشخيص الواقع الذي تعيشه الأمة الإسلامية بعد سقوط الخلافة العثمانية وظهور الأنظمة العسكرية المتغربة، فيقول إن الأمة باتت في قبضة نظام عالمي صهيوصليبي استكباري، وأن من أخطر ما نتج عن هذا الانحراف هو زلل الأقدام بين العلماء والدعاة والسياسيين في خضم ثورات الربيع العربي، ولا سيما ثورة الشام المباركة التي كشف الله بها الوجوه الصادقة والقلوب المنافقة.


وفي هذه المقدمة تتبلور الفكرة المركزية للبحث:
أن الزلل الحقيقي ليس في الخطأ البشري العابر، وإنما في الانحراف عن الثوابت الإيمانية بعد رسوخ القدم في العلم والريادة.


الفصل الأول:
معنى زلل الأقدام وأسبابه
يبدأ المؤلف هذا الفصل بتدبّر قوله تعالى:

{فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا} [النحل: 94]، ليبين أن الزلل بعد الثبوت أخطر من الزلل في الابتداء، لأنه يدل على فسادٍ بعد صلاحٍ، ونكوصٍ بعد هدايةٍ.

ثم يفصل في أسباب الزلل والانحراف، مقسّماً إياها إلى ثلاثة عوامل رئيسة:


الخلل في العلاقة بين العلم والعمل
حيث يوضح أن كثيراً من العلماء اكتفوا بالمعرفة النظرية دون تطبيقها، فكان علمهم بلا عمل سبباً في سقوطهم.

ويستدل بقول الله تعالى: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون}، وينقل عن الغزالي والقاضي الجرجاني وغيرهما أن العلم إن لم يصن صاحبه أهانَه.

حب الدنيا والارتهان للسلطة
وهو العامل الأخطر في زلل الأقدام؛ إذ يصف كيف استغل النظام المستبد طموحات بعض العلماء والمشايخ، فحوّلهم إلى أدوات في يده، يمنحهم المناصب والجاه مقابل الولاء والطاعة.
ويعرض أمثلة على ذلك في واقع الشام: من شيوخٍ تولّوا مناصب الأوقاف والإفتاء، أو رئاسة الاتحادات الدينية الموالية للنظام، حتى صار بعضهم “علماء سلطان” بدل أن يكونوا “علماء أمة”.

الحماية الأمنية للنظام لهؤلاء العلماء
يشرح الكاتب كيف منحهم النظام حرية الدعوة ضمن حدودٍ مرسومة، وحماهم أمنياً مقابل تسخير منابرهم للدفاع عن السلطة، فكانت النتيجة أن تحول الدين إلى غطاءٍ سياسيٍّ لأفعال الطغاة.


الفصل الثاني: مواقف العلماء بين الثبات والانحراف
يفصل المؤلف بين فئتين:
فئة ثابتة راسخة القدم: زهدت في الدنيا، واعتزلت الفتنة، ودفعت ثمن مواقفها الحرة من سجنٍ وتشريدٍ وحرمانٍ.
وفئة زلّت أقدامها: باعت دينها بدنياها، وسارت في ركاب الظالمين، فخسرت هيبتها واحترام الناس لها.
ويعرض نماذج من التاريخ الإسلامي ليقارن بين العلماء الصادقين في العصور السابقة، مثل:
الإمام أبو حنيفة النعمان الذي رفض القضاء للسلاطين وسُجن؛
الإمام مالك الذي أوذي لتمسكه بالحق؛
الإمام أحمد بن حنبل الذي ثبت في فتنة القول بخلق القرآن؛
العز بن عبدالسلام، وابن تيمية، وعبدالكريم الخطابي، وعمر المختار، وأحمد ياسين وغيرهم من المجاهدين الذين قدموا أنفسهم نصرة للحق.

ثم يصرّح الكاتب أن المقارنة المؤلمة تكشف الفارق بين علماء السلف العاملين وعلماء السلطان المعاصرين الذين “باعوا الموقف بثمنٍ بخسٍ”.


الفصل الثالث: زيف الخطاب الديني الموجَّه
ينتقل المؤلف إلى نقدٍ مباشرٍ للخطاب الديني الرسمي، الذي أصدر بيانات وفتاوى منحازة للنظام في مواجهة الثورات، خصوصًا بيانات اتحاد علماء الشام الذي عُيِّن أعضاؤه بأوامر سياسية.
ويصف هذه البيانات بأنها بيانات أمنية لا شرعية، تهدف إلى “تخدير الجماهير باسم الدين”، لا إلى نصرة الحق.


ويشير إلى تناقض مواقف هؤلاء العلماء حين سكتوا عن:
الاحتلال الروسي والإيراني لسوريا؛
الجرائم المرتكبة بحق المساجد والمصلين؛
الاعتداء على الحجاب والمقدسات؛
بينما كانوا يهاجمون العلماء الأحرار والدعاة المستقلين.


الفصل الرابع:
نداء الإصلاح والعودة
يختتم الشيخ حمادة بحثه بنداءٍ مؤثرٍ موجَّهٍ إلى العلماء الذين زلّت أقدامهم، يدعوهم فيه إلى:
التوبة والرجوع إلى الله قبل فوات الأوان؛
إدراك خطورة التبرير للظالمين باسم الدين؛
الاصطفاف مع الأمة وثورتها في وجه المشروع الطائفي الباطني الصهيوني؛

التحرر من عبودية المناصب والعودة إلى عبودية الله الخالصة.


ويختم بقوله تعالى: إنا نعوذ بك من الحور بعد الكور، ومن زلة القلوب بعد ثبوتها، داعيًا أن يحفظ الله الأمة من الفتنة، وأن يثبت الأقدام على طريق الحق والجهاد.

إن هذا البحث يعد وثيقة فكرية جريئة في نقد الانحراف الديني والسياسي في العصر الحديث، وهو صرخة وعيٍ صادرة من قلب ميداني عايش الثورة والشهادة.

يركز الشيخ حمادة على أن “زلل الأقدام” لا يعني السقوط الجسدي، بل السقوط القيمي والأخلاقي، وأن أشد ما يهدد الأمة ليس أعداؤها في الخارج، بل خيانة النخبة التي زلّت بعد أن كانت ثابتة.


بقلم: محمد محيي الدين حمادة الغنيمي الدمشقي الميداني

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

أبحاث ذات صلة

يمكنكم تحميل الأبحاث بعد الإطلاع عليها