نص الاستشارة:
أسئلة من مجلَّة اليمامة إلى فضيلة الشيخ: مصطفى الزرقا حفظه الله ورعاه.
1 - فتح العصر الحديث بتفجُّره الإعلامي آفاقًا واسعة للحوار والمناقشة، فمتى يستفيد فقهاء العالم الإسلامي من الإعلام للوصول إلى الاجتهاد الجماعي كما تسَمُّونه؟
2 – منذ عدة قرون والفقهُ الإسلامي متوقِّف عن النمو، فما أسباب هذا التوقُّف، وما تقويمكم لجهود فقهاء العصر الحديث في تطويره مع اختلاف توجهاتهم؟
3 - تقنين الفقه الإسلامي كيف ترون أهميته، وما صعوباته، ومحاذيره، وأين تقع المذاهب الفقهية منه؟
4 – يُعد الجانب الاقتصادي من الفقه الإسلامي من أعقد الجوانب وأكثرها أهمية وتفلُّتًا أيضًا ـ خاصة في العصر الحديث ـ من القواعد الإسلامية العامّة فما تقويمكم للجهود المبذولة في أسْلمة هذا الجانب؟
عبد الله محمد المفلح
الإجابة:
ج 1 ـ إن الاجتهاد الجماعي يحتاج أن تتعاون على تحقيقه حكومات البلاد الإسلاميّة وفقهاؤها. وتأتي في الطليعة البلاد العربية.
وبعد تفرُّق البلاد الإسلاميّة وانقسامها إلى أكثرَ مِن اثنتين وخمسين دولة مستقِلًّا بعضها عن بعض، وانتشار فقهاء الأمّة بينها جميعًا ـ لم يعُدْ في الإمكان تحقيق الاجتهاد الجماعي بصورة كاملة لتعذُّر اجتماع الفقهاء جميعًا لبحث القضايا المُستجِدَّة والمداوَلة في الحُلول اللازمة.
لكن الاجتهاد الجماعي بصورة مصغَّرة ناقصة قد أصبح أمرًا واقعيًّا بوجود المَجْمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في مكة المكرّمة، والمجْمع الفقهي التابع لمنظَّمة العالم الإسلامي في جدّة. فكلٌّ منهما يضمُّ مجموعة محدَّدة من الفقهاء المُعاصرين، وبعض الأشخاص هو عضو في كليهما.
ولكلٍّ منهما اجتماعات دوريّة سنويّة تدوم بضعة أيام أو أسبوعًا تبحث فيها القضايا المطروحة للبحث في جدول الأعمال، وتُتَّخَذ في كلٍّ منها القرارات بالإجماع أو بالأكثريّة.
ولكنْ يَنقُص كلّاً منهما لجنةٌ من الفقهاء المتفرِّغين طُوال العام لدراسة ما يَرِد إلى المجْمع من قضايا خلال العام ووضْع تقاريرَ فيها، تهْيئةً لعرضها على المجْمع في دورته السنويّة التي تُعْقد أيامًا محدودة لا تتسع لدراسة البحوث المقدَّمة عن تلك القضايا ومناقشاتها. والذي يمنع من تكوين اللجنة المتفرّغة فيهما أسباب ماديّة..
ج 2 ـ أسباب توقُّف الفقه الإسلاميّ منذ عدة قرون هي كثيرة نتيجة للتخلُّف العام في العالم الإسلامي، ذلك التخلُّف الذي أدّى بعلماء المذاهب الفقهيّة إلى الإفتاء بسدِّ باب الاجتهاد.
وهذا السدُّ كان بواعثُه الخشية أن يوجد من يدَّعي الاجتهاد وهو غير مؤهَّل له فيؤدِّي ذلك إلى تغيير الشريعة. فقد لوحِظ ضعف الوازع الدينيّ، وفَساد الزمان بفساد الناس، فرُئِيَ منذ القرن الخامس الهجريّ منع الاجتهاد الذي لا يجوز أن يُسدَّ، بل أن يكون العلاج هو الانتقال إلى الاجتهاد الجماعي.
لكن فكرة الاجتهاد الجماعي لم تكن قد تولَّدت بسبب العصبيّة المذهبيّة لدى أتباع المذاهب الفقهيّة الأربعة.
والحقّ أن المذاهب الأربعة يجب أن تُعتبر بمجموعها مذهبًا واحدًا يمثِّل الفقه العام، وأن يكون كلّ واحد منها بمثابة الآراء المُختلِفة في المذهب الواحد، ولكي يُستفاد منها جميعًا في وقت واحد. فكلُّ مذهب وحده بمفرده لا يكفي حاجة الأمة ولا يُغني عن سواه، ولكنَّ مجموعَها لا يَضيق عن حاجاتها المستجِدّة إذا أَردَفَه الاجتهاد في اختيار الأفضل في كل مسألة جديدة.
ج 3 ـ التّقنين من الفقه الإسلامي هو الطريق الوحيد لحياته. وليس له محاذِير، فهو الوسيلة الوحيدة لوضع الفقه موضع العمل والتطبيق، وإخراجه من حيِّز النظريّات إلى حيِّز العمليات، فالفقه أحكامه كلُّها بمثابة نصوص تشريعيّة، والقانون الذي لا يطبّق هو في حكم الميت.
ففي فرنسا مثلًا يوجد بعض قوانين قديمة غير مطبّقة فتنُوسِيَت رغم أنها غير مُلغاة، فهكذا شأن فقهنا الإسلامي إذا لم يطبقه القضاء.
إنّ التقنين من الفقه الإسلامي يستلزم الانفتاح على المذاهب الفقهية كلّها، وأخذ أفضل ما في كل منها في كل مسألة، وهذا دافع لزيادة الاهتمام بدراسة الفقه المُقارَن في الجامعات الإسلاميّة وفي كليات القانون، وإلى خدمة فقه المذاهب بمؤلفات جديدة تُخرجه من التعقيد الوعر الذي يشاهد في كتب المذاهب، إلى التقعيد والتبسيط.
فلابد في التّقنين الفقهي أن يُستفاد من جميع المذاهب؛ لأن كلَّ مذهب بمفرده لا يمكن أن يُعتبر هو الممثل للشريعة وحده ما دام إلى جانبه مذهب آخر أو مذاهب تخالِفه في كثير.
فالذى يمثّل الشريعة هو مجموع المذاهب الفقهيّة المُعتبرة، وآراء المُفتين من الصَّحابة والتابعين من الذين نَقلتْ آراءهم كتب الفقه يؤدِّي إلى القضاء على العصبيّة المذهبيّة المُقيتة.
ج 4 - لا شكّ أن الجانب الاقتصاديَّ من الفقه الإسلامي أصبح له اليوم في عصرنا أهميّة كبرى لم يكن يَشعُر بها الفقهاءُ من قَبْل.
ونحمد الله تعالى على أنّه وُجِدَت له اليوم مراكز متخصِّصة لدراسة هذه الجوانب الاقتصاديّة من الفقه الإسلامي تقوم على بحثِه وتقديم الدِّراسات فيه ممّا يبشِّر بقُرب إمكان كتابة نظرية عامّة في الاقتصاد الإسلامي تُبرز معالِمه وتبيِّن مزاياه بالمقارَنة.
وإن مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي في جامعة الملك عبد العزيز في جدّة يقوم بأعمال جليلة في هذا المِضمارِ. وإن المجلة التي يُصدِرها هذا المركز هي مجلة قيِّمة تخدم أغراضه. وهناك رسائل جامعية لرتبة الدكتوراه أو الماجستير أوضحت جوانب من سمات الاقتصاد الإسلاميّ واتجاهاتِه.
وقد أصبح في نظري من المُمكن بعد كلِّ الجهود التي بذلت في خدمة الاقتصاد الإسلامي أن يطلعَ علينا في المستقبل القريب كتابٌ في الاقتصاد الإسلامي بوجه عام يُبرز ملامحه وقواعده وأغراضَه في الإنتاج والتوزيع العادل، ويبين خصائصه ومزاياه.
مصطفى أحمد الزرقا
الرياض في 25/11/1418هـ
عناية: مجد أحمد مكي